تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدونيس

كم من حرية عارمة تمنح لمن يتحدث إلى الغوغاء بمسلماتها المقبولة! فأقل ما يمكن للدولة أن تفعله هو أن تحمي من لديهم قول يحتمل أن يسبب شغبا، إن ما لا يؤدي إلى الشغب ربما لا يستحق أن يقال.

كلايف بل (1) الفن خير

يقدم كلايف بل في فصل «الفن والأخلاق» تحليلا لمفهوم «الخير» يسترشد فيه بحدسية جورج مور

G. Moore

في كتابه الذائع الصيت «مبادئ علم الأخلاق»

Principia Ethica ، ويخلص منه إلى نتيجة مفادها أن الحالات الذهنية الخيرة هي وحدها خير كغاية في ذاتها، ويترتب على ذلك أن علينا لكي نبرر أي نشاط إنساني تبريرا أخلاقيا أن نتساءل: هل هذا النشاط هو وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة؟ أما في حالة الفن فإن جوابنا سيكون فوريا وقائما على خبرة وجدانية حقيقية؛ فالفن ليس فقط وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة، بل ربما يكون أقوى الوسائل التي في حوزتنا وأكثرها مباشرة، إنه أكثرها مباشرة لأنه لا شيء أسرع منه تأثيرا في الذهن، وأكثرها قوة لأنه لا توجد حالة ذهنية أكثر امتيازا وشدة من حالة التأمل الإستطيقي، وأنت حين تعد أي شيء عملا فنيا فإنك إذن تقيم حكما أخلاقيا خطيرا؛ لأنك بذلك تعده وسيلة إلى الخير مباشرة وفعالة بحيث لا يعوزنا أن نكرث أنفسنا بأي شيء من نتائجه المحتملة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية الحكم بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما يبررها، فليقم الداعية الأخلاقي حكما على الفن ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا كان المقام مقام أحكام إستطيقية، أي أحكام مقارنة بين أعضاء فئة واحدة، أي بين الأعمال الفنية بوصفها أعمالا فنية، فليمسك هذا الداعية لسانه.

1 (2) المفارقة

كلنا يعرف قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير، ويعرف قصتها، وهي قصيدة جادة في مدح الرسول والاعتذار له، يقول مطلع هذه القصيدة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا

إلا أغن غضيض الطرف مكحول

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة

لا يشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت

كأنه منهل بالراح معلول

شجت بذي شبم من ماء محنية

صاف بأبطح أضحى وهو مشمول

تقول هذه الأبيات فيما تقول: إن بطلة القصيدة، سعاد، نحيلة إذا نظرت من الأمام، وكبيرة العجز إذا نظرت من الخلف، أسنانها حين تبتسم تنم عن ثغر بارد، كأنه تناول قدحين من خمر ممزوج بماء شديد البرودة ...

كيف تلقى النبي هذه القصيدة؟

لم يجتزئ، ولم يخلط «المقولات»

categories ، ولم يحمل الأبيات ما لا تحتمل، بل قام، ببساطة، وخلع بردته على مبدعها، تعبيرا عن أعلى درجات التكريم. •••

بين الفن والأخلاق علاقة منطقية دقيقة حتى المفارقة

paradox ، وتحتاج منذ البداية إلى حنكة كبيرة في ترسيم الحدود وفض الاشتباك، وإلا فهي تفضي إلى جدل عقيم لا يثمر، ونزاع طويل لا ينتهي.

فالفن موكل بمقولة «الإستطيقي» والأخلاق موكلة بمقولة «الخير»، وبديه أن مقولة «الإستطيقي» غير مقولة «الخير»، وأن الفن يوصف بالجودة أو الرداءة (الفنية)، ولا يصح أن يوصف بالشر أو الخير (الأخلاقي)، ومن يفعل ذلك يقع في «خطأ مقولي»

category mistake

أو «نظم لغوي فاسد»

bad syntax ، حسبما تفضل من تعبير، ومن الجهة الأخرى تعد الأخلاق هي القانون الذي يحكم نطاق الأفعال البشرية، والفن فعل أو نشاط بشري، فهو من ثم خاضع للنقد الأخلاقي شأنه شأن غيره من الأفعال والأنشطة.

هذه مفارقة واضحة، حلها أن الفن، من حيث هو فعل بشري، مطالب تماما بتبرير نفسه، غير أن مقولات الأخلاق يجب ألا تدخل أرض الإستطيقا؛ إذ إن نطاق الإستطيقا نطاق محايد أخلاقيا أو «خامل أخلاقيا»

amoral ، ولا حكم فيه إلا لمقولة «الإستطيقي»، ولكن بمجرد أن نحكم على عمل بأنه «عمل فني» حقيقي، أي ذو قيمة إستطيقية، أي ذو شكل دال، نكون قد بررناه أخلاقيا أيضا؛ ذلك أن «الانفعال الإستطيقي» أو «الوجد» أو «النشوة»، هي «بحكم طبيعتها ذاتها»

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٢٩