تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

هذا ما يقوله أستاذنا العقاد، ونريد أن نذهب أبعد من ذلك، فنقول إن الحدود الفنية ليست إعاقة مجانية ولا حفزا سلبيا آليا؛ فالأمور في الفن أدق من ذلك وأعمق، فحين نقول إن الحدود الفنية (الأطر، المواضعات، القيود ...) ضرورة، فلسنا نعني بذلك أنها مجرد مصاعب لا مناص من تجشمها أو شر لا بد منه، ولسنا نعني حتى إنها (على طريقة أدلر أو توينبي) عثرات تحفز النشاط ومحن تلهب العزيمة، كلا. إن قيمة الحدود أعظم من ذلك بكثير؛ الحدود «تيسر» الإبداع الحقيقي! و«تلهم» الفنان الحقيقي، إنها مجرى يتولى انفعاله وينظم تدفقه ... شبكة تصيد له الأشكال الدالة، وعين ترمق له المعاني السانحة، وفرس قيد الأوابد تمكنه من شوارد المضامين، وبدونها يكون أشبه بنافخ في رماد، أو بكبش تعس أطلق في برية عراء وأرض مذابة، أو بطفل توحدي

autistic

يعبر عن نفسه بحركات مضطربة لا يفقهها غيره، ولغة مغتربة لا يفهمها سواه.

وليس بدعا أن نقول إن الوعي نفسه يتطلب الحدود وينشأ من إدراك الحدود: في بدايات الوعي يخلق كل فرد ذاتا أولية (أنا ترانسندنتالية) بأن يدع وعيه يلتف على نفسه فيفرق نفسا ما عن بقية العالم، عندئذ فقط يشرع الفرد - وقد صار الآن واعيا بذاته - في تأسيس الذوات الأخرى،

14

وعندئذ فقط يشرع المرء في رحلته الدائمة صوب المعرفة، وتأتي الإبستمولوجيا التكوينية (النشوئية)

Genetic Epistemology

عند بياجيه لتكمل لنا القصة، وتصور لنا المعرفة جدلا بناء بين البنيات الباطنة للذات العارفة وبين الموضوع المعروف؛ فالبنيات الباطنة للذات هي حصيلة إنشاء فعلي متواصل يقوم على خبرتها بالموضوع، والخصائص التي يتحدد بها الموضوع لا تعرف إلا بفضل تدخل تلك البنيات التي تغني خصائص الموضوع وتؤطرها، هكذا تحمل كل معرفة جانبا جديدا من التكوين والإنشاء، وهكذا تبقى المعرفة على الدوام مسلسلا تطوريا لا يتوقف وجشطلتا ناقصا لا يتم. «وعندما تكتب قصيدة، تكتشف أن ضرورة ملاءمة معناك في هذا الشكل أو ذاك تتطلب في حد ذاتها أن تبحث في خيالك عن معان جديدة وأنت ترفض طرائق معينة لقول هذه المعنى وتنتقي غيرها، محاولا صياغة القصيدة من جديد دائما وأبدا، وفي هذا التشكيل تصل إلى معان جديدة أكثر عمقا لم تكن تحلم بها، فليس الشكل مجرد تهذيب لمعنى لا تجد له مكانا في قصيدتك، ولكنه معين لك في العثور على معنى جديد، ومنشط لتركيز معناك، ولتبسيطه وتنقيته، ولتكتشف في بعد أكثر شمولا الماهية التي تود التعبير عنها، وما أكثر المعاني التي كان شكسبير يستطيع أن يضمها في مسرحياته لأنه نظمها شعرا ولم يكتبها نثرا، أو يضعها في سونيتاته؛ لأنها مكونة من أربعة عشر بيتا.»

15

إن مما يشبه المحال على فنان لم يضع لنفسه مهمة أكثر تحديدا من إبداع شكل دال دون شروط أو حدود مادية أو فكرية، أن يركز طاقاته بحيث ينجز هدفه، إن مشروعه سيكون مفتقرا إلى الدقة، وجهوده من ثم ستكون مفتقرة إلى القصد، وأدنى إلى اليقين أنه سيكون غامضا ومتراخيا في عمله، وقد يلوح له باستمرار أن هناك احتمالا بأن يعيد للشيء عافيته بضربة حظ، وقلما يبصر بوضوح أنه قد ضل السبيل ... إن من يشعر أنه لا عمل له إلا أن يصنع شيئا ما جميلا، يندر أن يعرف من أين يبدأ أو أين ينتهي.

16

مرة ثانية نقول إن القيود في الفن عون وتيسير! فالحدود الفنية تذلل طريق الفنان الحقيقي ولا تعيقه.

إنها أم رءوم ترتب خزانته،

ورفيقة شفافة حيية تفكر له وتعينه على عجزه،

وتتحفه بالطرف حتى لا يكاد يرى وجهها المتواري خلف أكداس الهدايا.

الفصل التاسع

| الفن والأخلاق

عارف التقديس روحي وإن قدس جسما.

العقاد

الشعر يتيح لقاء الفرادات، معيدا خلقنا باستمرار في وحدة إنسانية كونية، إنه يدخلنا في نشوة هي حالة من النوم اليقظ، وفي هذا النوم الذي هو الصحو الأكمل، يعمل البشر بأخوة لصيرورة العالم.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٢٨