تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

يا لله كأني بالجمال يلوح للحق، وبالحق يلوح للجمال !

فها هو فيلسوف إستطيقي (بل) يرى الجمال جمالا لأنه صواب، وها هو عالم رياضي (بوانكاريه) يرى الصواب صوابا لأنه جميل، وكأني بفيلسوف المثالية الترانسندنتالية (إيمانويل كانت) يباركهما من وراء الغيب. لا بدع؛ فالعقل ليس كيانا سلبيا تدور حوله الأشياء فيعكسها كما هي، إنما الأشياء تعنو للعقل وتلائم نفسها وفق قوالبه ومقولاته، فالعقل ليس متفرجا سلبيا في لعبة المعرفة، العقل يجبل العالم على طريقته ويشكل العالم على صورته ويشيد الأشياء تشييدا. (2) ضرورة المواضعات الفنية

وعلى ذلك فإذا أردنا الارتقاء بموسيقانا فلا بد أن نضع لها قانونا وقاعدة.

أفلاطون: القوانين

هذه مسألة يستدعيها الحديث وإن تكن مسألة غير إستطيقية وغير ميتافيزيقية (فهي في الحقيقة مسألة تكنيكية)، إن مهمة الفنان كما يبين بل هي إما أن يخلق شكلا دالا وإما أن يعبر عن حس بالواقع - حسبما تفضل من تعبير، غير أننا لا نرى أبدا فنانا حقيقيا يمكن أن يقعد أو يقوم لا لشيء إلا ليبدع شكلا دالا أو ليعبر عن حس بالواقع، دون أي تحديد أبعد من ذلك، إنما يتوجب على الفنانين أن يتخذوا لأفعالهم مجرى معينا، أن يركزوا طاقاتهم على مشكلة محددة؛ فالشخص الذي يشرع في رحلة صوب العالم كله هيهات له أن يبلغ مكانا، هذه الحقيقة تفسر لنا الضرورة المطلقة للمواضعات الفنية، وتفسر لنا لماذا تعد كتابة شعر جيد أيسر من كتابة نثر جيد، ولماذا تكون كتابة الشعر المرسل

9

الجيد أصعب من كتابة مقاطع من شعر الدوبيت المقفى، هذا هو مغزى القوالب الفنية مثل السونيتة والبالاد والروندو: إن الحدود الصارمة تركز طاقات الفنان وتكثفها.

10

يقول الأستاذ العقاد: إن الجمال هو الحرية،

11

وإن حب الأمم للحرية يقاس بحبها للفنون الجميلة.

والحرية عند العقاد لا تعني التخلص من القيود، لأن القيود والقوانين هي أساس اختيار الحرية، انظر إلى بيت من الشعر وتصرف الشاعر فيه، إنه مثل حق لما ينبغي أن تكون عليه الحياة من قوانين الضرورة وحرية الجمال، فهي قيود شتى من وزن وقافية، غير أن الشاعر يعرب عن طلاقة نفس لا حد لها حين يخطو بين كل هذه السدود خطوة اللعب، ويطفر من فوقها طفرة النشاط، ويطير بالخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل، وإذا كانت سنة الله في خلق هذا الكون قد شاءت أن تجعل من قوانينه دعامة للحرية، وأصلا لكل شعور انطلاقي، فليس عجيبا أن يتلاقى في فن الشعر قيد الوزن وفرح اللعب، وليس من الغرابة في شيء أن يتعانق على يديه الخيال الشارد والقافية المحبوسة.

والفنون الجميلة جميعا هي «الفنون التي تشبع فينا حاسة الحرية وتتخطى بنا حدود الضرورة والحاجة، وما من شيء تستجمله وتخف نفسك إليه وهو مغلول الحياة منقبض عن وظائفها، حتى الأخلاق، ما من جميل فيها إلا كان جماله على قدر ما فيه من غلبة على الهوى وترفع عن الضرورة وقوة على تصريف أعمال النفس في دائرة الحرية والاختيار.»

12

إن قيود الضرورة هي مسبار ما في النفوس من جوهر الحرية الصحيحة، كما أن القيود التي تثقل بها أعضاء البهلوان الماهر هي مسبار مهارته وقدرته على الخطران والوثب واللعب، فليس النشاط الفني خروجا على كل قاعدة، أو انطلاقا في فضاء مطلق ليس به أدنى مقاومة، وإنما النشاط الفني طلاقة نفس تحيل العوائق إلى وسائط، وتتخذ من الضرورات أدوات للتحرر، وليست الضرورات والقوانين سوى القالب الذي تحصر فيه الحياة عند صبها وصياغتها، ليكون لها خير محدود في هذا الوجود، ولتسلم من العدم المطلق الذي تصير بها الفوضى إليه، وإلا فتصور عالما لا موانع فيه ولا أثقال، ثم انظر ماذا لعله يكون؟ إنه لا يكون إلا فضاء بغير فاصل أو هيولي بغير تكوين.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٢٧