4
قبل أن يخلص كلايف بل إلى فرضيته الميتافيزيقية كان يسأل الفنانين عن طبيعة عملهم، فقال له مرة واحد من أعظم الفنانين إن ما يحاول أن يعبر عنه في لوحة فنية هو «فهم انفعالي للشكل»، وقد طالما حير بل هذا «الفهم الانفعالي»، حتى ظفر بمعناه بعد حديث كثير مع الفنانين وإصغاء أكثر، ولعل ما حير بل هو أننا درجنا على أن الفهم يكون بالعقل، وأن العقل نقيض الانفعال؛ ومن ثم فإن علينا لكي نفهم شيئا ما فهما موضوعيا أمينا أن نكبت انفعالنا نحوه أو نحيده، غير أن رولو ماي يبدهنا بعكس ذلك فيقول: «لقد كنا ننحو إلى أن نضع العقل في مقابل الانفعالات، وافترضنا نتيجة لتضخم زائد في هذه القسمة أننا نتمكن من ملاحظة الشيء بدقة أكثر لو استبعدنا انفعالاتنا، أعني أننا سنكون أقل تحيزا لو أن انفعالاتنا لم تتدخل على الإطلاق في الموضوع الذي بين أيدينا، وأنا أعتقد أن هذا خطأ فادح؛ إذ توجد الآن بيانات في استجابات رورشاخ
Rorschach
تشير إلى أن الناس يستطيعون أن يلاحظوا بمزيد من الدقة إذا كانوا مدفوعين بانفعالاتهم، أعني أن العقل يعمل بطريقة أفضل في حضور العواطف، فالإنسان يرى ببصر أكثر حدة ودقة حين تشترك العواطف، والحق أننا لا نستطيع أن نرى شيئا رؤية حقيقية إلا إذا كنا مرتبطين به ارتباطا عاطفيا، فربما كان العقل يؤدي عمله على أحسن وجه في حالة الوجد (النشوة)
ecstasy ،
5
ويرى ماي أن الوجد هو المصطلح الدقيق لشدة الوعي التي تحدث في الفعل الإبداعي، على ألا نفكر فيه بوصفه «سماحا بتحرير شيء ما بالمعنى الباخوسي، وإنما هو شيء يشمل الشخص كله بحيث يعمل ما تحت الشعور واللاشعور في وحدة مع الشعور، ومن ثم فهو ليس لا عقلانيا، بل هو بالأحرى فائق لما هو عقلي؛ فهو يمزج بين الوظائف العقلية والإرادية والعاطفية في عمل واحد.»
يذكر بل في فرضيته الإستطيقية أن عالم الرياضيات المستغرق في دراساته يخبر حالة ذهنية شبيهة غاية الشبه بالنشوة الإستطيقية التي تغشي الفنان في لحظات الإلهام: «وربما يذهب بي الظن أحيانا إلى أن مدركي الفن ومدركي الحلول الرياضية قد يكونون أكثر قربا وأوثق صلة حتى من ذلك، فأتساءل: قبل أن يأخذنا انفعال إستطيقي تجاه تجمع من الأشكال، ترانا ندرك بالفكر صواب هذا التجمع وضرورته؟»
6
أليس هذا قريبا حتى الانطباق من فكرة هربرت ريد عن «القابلية للتحقق»
verifiability
بوصفها عنصرا ضروريا من عناصر الإبداع الفني كما هي في الوقت نفسه مقوم أساسي من مقومات المنهج العلمي؟
وكأني برجل من أفذاذ العلم ومن نوابغ الرياضيات هو جول هنري بوانكاريه
G. H. Poincaré
ينعم بحضرته ويكمل لنا الوجه الآخر من الأمر، ويقول (من كتابه «أساس العلم»): إن التركيبات المفيدة (التي تنبثق من اللاشعور) هي بالضبط أجملها، أعني أقدرها على إمتاع تلك الحساسية الخاصة التي يعرفها الرياضيون جميعا، والتي يجهلها غيرهم جهلا تاما بحيث يغريهم بالابتسام عليها ... ومن بين الأعداد الكبيرة من التوليفات التي صنعت عشوائيا بوساطة الذات المتسامية، يظل معظمها بلا أهمية وبلا نفع، وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعلها أيضا بلا تأثير على الحساسية الجمالية، ولن يدركها الوعي أبدا، ولا يتسم بالانسجام سوى بعض منها، وبالتالي تكون في الحال مفيدة وجميلة، وتكون قادرة على المساس بهذه الحساسية الخاصة برجل الهندسة التي تحدثت عنها آنفا، والتي إن أثيرت مرة فسوف تجذب الانتباه إليها؛ ومن ثم تتيح لها الفرصة لكي تصبح واعية.»
7
ويعلق ماي على قول بوانكاريه بأن «هذا هو الذي يدعو الرياضيين والفيزيائيين للحديث عن «أناقة»
elegance
نظرية ما، أما المنفعة فتأتي في مرتبة أدنى بوصفها جزءا من الخاصية التي يتمتع بها الشكل الجميل؛ فالانسجام الذي يسري في شكل داخلي، والاتساق الباطن في نظرية ما، وسمة الجمال التي تمس حساسية المرء - هذه كلها عوامل دالة تحدد لماذا تبزغ في الوعي بصيرة معينة دون غيرها، وبوصفي محللا نفسيا لا يسعني سوى أن أضيف أن تجربتي في مساعدة الناس على تحقيق استبصارات من الأبعاد اللاشعورية داخل أنفسهم تكشف عن هذه الظاهرة نفسها؛ وهي أن البصائر لا تبزع أصلا لأنها «صادقة عقليا» أو لأنها مفيدة، ولكن لأنها تتميز بشكل معين هو الشكل الجميل الذي يستكمل ما ليس كاملا فينا، هذه الفكرة، هذا الشكل الجديد الذي يقدم نفسه بغتة، يأتي لكي يكمل جشطلتا كان حتى الآن ناقصا، وكنا حتى الآن نناضله في إدراك واع، ويستطيع المرء أن يتحدث بدقة شديدة عن هذا النموذج الذي لم يكتمل، هذا الشكل الذي لم يتشكل، بوصفه المكون لذلك «النداء» الذي يعطيه ما قبل شعورنا من جيشانه العنيف الإجابة المنشودة.»