تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا نرى أن التمثيل ليس خارجا عن الموضوع فحسب، بل هو عبء على الموضوع وخطر متربص بالشكل، وهو ضار في أغلب الأحوال، ولا يصبح مفيدا إلا إذا اقتصر دوره على أن يكون مفتاحا متروكا في العمل نفتح به - حين تعوزنا الخبرة الذوقية الكاملة - بابا خلفيا إلى عالم الشكل الدال، ولا يكون مفيدا ما لم يكن مدمجا ومستوعبا في الشكل، أما أن تستلفتنا «المشابهة» وتصرف انتباهنا عن العلاقات الشكلية فنحن بنفس الدرجة نكون قد أدرنا ظهورنا لعالم الفن وطفقنا راجعين إلى عالم الحياة. (3) الموسيقى فن الشكل الخالص

من العسير على المرء إذن أن يدخل محراب الفن الحديث دون أن يخلع عاداته الإدراكية القديمة وتوقعاته المعهودة من الفن، فتذوق الفن الحديث يستلزم تربية عادات إدراكية جديدة، وربما تكون حالة تذوق الموسيقى - فن الصورة الخالصة - مثالا واضحا لما نريد تبيانه، إن الموسيقى لا تمثل شيئا من عالم الطبيعة؛ وذلك لأن وسيطها الحسي، وهو الأنغام والإيقاعات والتوافقات، لا يتيح لها أن تحاكي شيئا من عالم الحياة، إنها عالم قائم بذاته مكتف بها، وجمال القطعة الموسيقية، كما يقول إدوارد هانسليك

E. Hanslick ، هو «جمال موسيقي» على التخصيص، أي أنه يكمن في توليفات الأصوات الموسيقية، ويستقل تماما عن جميع الأفكار الدخيلة الخارجة عن نطاق الموسيقى؛ ومن ثم يتعين أن يقع التذوق الموسيقي على الشكل وحده.

إلا أن المستمع غير المدرب يلجأ في عامة الأحوال إلى تصور قصة معينة في القطعة الموسيقية، أو تلمس انفعالات بشرية معتادة، وفي هذا يقول كلايف بل واصفا حالته الذهنية الشخصية إزاء الموسيقى: «ضجرا كنت أو محيرا فإنني أدع إحساسي بالشكل يفلت مني، وأفشل في فهم التآلفات الهارمونية فأظل أنسج بها أفكار الحياة، وأعجز عن الشعور بالانفعالات الصارمة للفن، فأظل أقرأ في الأشكال الموسيقية عواطف بشرية من رعب وغموض وحب وكراهية، وأنفق اللحظات - مستمتعا إلى حد مرض - في عالم من المشاعر الآسنة المتدنية ... إنني أدري تماما ما الذي حدث: لقد كنت أتخذ الفن سبيلا إلى انفعالات الحياة أقرأ فيه أفكار الحياة. لقد كنت أقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، لقد ترديت من الذرى العالية للوجد الإستطيقي إلى السفوح الحميمة للحياة البشرية الدافئة.»

12 (4) الحياة حياة والفن فن

مهما تكن علاقته بالحياة فالفن غير الحياة، صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة، إلا أنه - شأن كل كيان «انبثاقي»

emergent - مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن «رده» إلى عناصره الأولى، فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقد وجداني حياتي لكانت أي فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس، ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة لانتفت الحياة التي نراها جميعا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بأعمال غيرهم من الفنانين العظام لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم الطبيعة.

الفن فن والحياة حياة، ومن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في مغالطة «خلط المقولات» أو ما صار يسمى «الخطأ المقولي»

category mistake ، شأنه شأن من يقول «الأعداد الحمراء» أو «الفضائل البدينة» أو «القضايا غير القابلة للأكل»! إن فعله عبث لا جدوى منه، وقوله خطل لا تجدر مناقشته، إنه، على حد تعبير بل: «يقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة» أو «يستخدم تلسكوبا لقراءة جريدة.»

الفن عالم قائم بنفسه شأن عالم الرياضيات أو عالم الوجد الصوفي، «إن عالم الرياضيات المستغرق في دراساته يعرف حالة شبيهة إن لم تكن مطابقة، فهو يشعر إزاء تأملاته بانفعال لا ينجم عن أي علاقة مدركة بينها وبين حياة البشر، بل ينبع، غير بشري أو فوق بشري - من قلب عالم مجرد.» والإدراك الفني الصحيح يتجه إلى الأثر الفني باعتباره «ذاتا» أخرى ينعتها ب «أنت» لا ب «هو»! إن العمل الفني كيان فردي وذات فاعلة مسيطرة، فهو أشبه بما يسميه سارتر «موجودا لذاته»

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ١٥