تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عامل جوهري في الفن، وأما في إفريقيا وجزر المحيط الهادي فقد بقي «التقليد» مجهولا، فضلا عن أننا نلاحظ أن المحاكاة لم تتخذ صورتها المعروفة عندنا في كل من مصر وبلاد ما بين النهرين وبيزنطة وبلدان الشرق الأقصى.»

7 «ليست الطبيعة وفقا لهذا المنظور الفني موضوع محاكاة ونقل وتقليد، وإنما هي على العكس موضوع تأمل واستبصار وكشف، وقد أعطيت اللغة الفنية للمبدعين لا لكي يكرروا العالم ويسجنوه في صوره الظاهرة المعروفة، وإنما لكي يحرروه ولكي يبقوه في حركيته الداخلية - في ما لا ينتهي، ولكي يظهروه باستمرار في صور جديدة.»

8

يقول ألكسندر إليوت في كتابه «البصر والبصيرة»

sight and insight : «قال الملاك لمحمد إذا أراد الفنانون أن ينعموا ببركة الله فليمسكوا عن النقل عن كل شيء؛ ولذا فإن قصر الحمراء تجريدي بحت، باستثناء الأسود الشرقية السحنة في الفناء الأوسط.»

9 «الإنسان، بوصفه ناطقا، هو بطبيعته منشئ، لا يقلد (لا يحاكي): لا الإنسان ولا الطبيعة (الأشياء)، وإنما يرى إلى كل شيء، بوصفه ناطقا منشئا - أي بوصفه بادئا، مبدعا، أن نفصح عن شيء ما، تشكيليا - أن نصوره، هو أن نقدم صورة تغاير صورته العينية الظاهرة؛ هو أن «نقلب» صورته، فالحس فنيا بالأشياء لا يبدأ إلا بنشوء مسافة بينه وبين واقعها الظاهر المباشر، بهذا المعنى، حصرا، لا يمكن الفن أن يكون «واقعيا»، بل تبدو كلمة «واقعي» تناقضية وعبثية - ذلك أن الفن هو حيث لا دليل على الشبه، إنه «نار بلا دخان»، صحيح من الممكن أن ننقل الظاهر بنوع من الصناعة والعلم، لكن هذا النقل لن يكون فنا، وإنما سيكون «صناعة» و«علما».»

10

يؤكد بل دائما على أن التذوق الفني الصحيح ينبغي أن يقع على الشكل، وها هنا يكون العنصر «التمثيلي»

representational

سلاحا ذا حدين: فقد يكون - خاصة في التصميمات المعقدة - بمثابة مفتاح يرشدنا إلى طبيعة التصميم ويمهد السبيل لانفعالاتنا الإستطيقية، ولكنه من الجهة الأخرى يجب أن يكون مدمجا في التصميم كي لا يفسد اللوحة بوصفها عملا فنيا؛ فالحق أن التصميم الجميل المكون من أشكال واقعية معرض بدرجة كبيرة لخطر التدني الإستطيقي؛ إذ يستلفت عنصره التمثيلي نظرنا على الفور فتفوتنا دلالته الشكلية. إن علينا حيال اللوحات التي تمثل أناسا أو أشياء من الواقع «أن نعاملهم كأنهم لا يمثلون أي شيء» وأن ننظر إليهم على أنهم أنموذج من الخطوط والكتل والألوان.

يقول كلايف بل «أود ألا يتصور أحد أن «التمثيل» شيء سيئ في ذاته؛ فليس هناك ما يمنع أن يكون شكل واقعي ما، وهو منتظم في مكانه كجزء من التصميم، مضاهيا في الدلالة لشكل آخر تجريدي، ولكن إذا كان لشكل تمثيلي قيمة فبوصفه شكلا لا بوصفه تمثيلا، فالعنصر التمثيلي في العمل الفني قد يضر وقد لا يضر، ولكنه دائما خارج عن الموضوع؛ ذلك أننا لكي ندرك عملا من أعمال الفن لا نحتاج إلى أن نأتي معنا بشيء من الحياة، أو بمعرفة بأفكارها وشئونها أو بألف لانفعالاتها، فالفن ينتشلنا من عالم الدأب البشري إلى عالم الوجد الإستطيقي، ونحن في اللحظة الإستطيقية تنقطع أسبابنا بالاهتمامات البشرية، وتتوقف تطلعاتنا وذكرياتنا؛ إذ يعلو بنا الفن فوق تيار الحياة»

11 ... إن تمييز التطابق بين أشكال العمل الفني والأشكال المألوفة في الحياة لا يمكن أن يثير انفعالا إستطيقيا البتة، فليس غير «الشكل الدال» ما يقوى على ذلك، وليس ما يمنع بطبيعة الحال أن تكون الأشكال الواقعية دالة إستطيقيا وأن يخلق منها الفنان عملا رائعا. غير أن ما يعنينا منها عندئذ هو قيمتها الإستطيقية لا قيمتها المعرفية، فبإمكان العنصر المعرفي أو التمثيلي في العمل الفني أن يكون مفيدا كوسيلة إلى إدراك العلاقات الشكلية وليس بأي طريقة أخرى.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ١٤