pour soi
وليس مجرد «موجود في ذاته»
en soi
شأن غيره من الجمادات والعجماوات؛ ومن ثم فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الإستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة؛ فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص، ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه، «ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعليه أن يتضع أمامه، أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن والفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه، وأيا ما كان عالم التأمل الإستطيقي فهو ليس عالم المشاغل والأهواء البشرية، إنه عالم لا تسمع فيه لغو الوجود المادي وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدق لتوافق آخر أكثر جوهرية.»
13
الفصل السادس
| الشكل في العمل الأدبي
لا تعود الكلمات تابعة حصرا للأشياء التي تعبر عنها، بل تعمل لحسابها، تلعب، «تمارس الحب»، كما يقول بريتون.
موريس بلانشو
يمثل الأدب صعوبة خاصة أمام الشكليين؛ فالوسيط الفني في حالة الأدب - أي الكلمات - هو بطبيعته «تمثيلي»
representative
يشير إلى غيره من عناصر الحياة ويحيل إلى سواه من مكونات العالم الخارجي وأحداثه. للكلمات معان تقع خارجها، وهذه المعاني هي ما يهمنا بالدرجة الأساس، فنحن لا نقرأ الرواية لكي نستمتع برؤية كلماتها مرصوفة على الصفحة مثلما نستمتع بمرأى الخطوط في لوحة تجريدية، ولا نستمع إلى القصيدة لكي نطرب لمجرد جرسها الصوتي مثلما نطرب لمقطوعة موسيقية؛ فالألفاظ في عامة الأحوال تصرفنا عن ذاتها وتحيلنا إلى معانيها؛ أي إلى العالم-الحياة.
يقول بل: «إن بوسع الأدب أن يعيش على الأفكار معززا مكرما. فتاريخ فينلي
Finlay
للإمبراطورية البيزنطية، على سبيل المثال، لا يثير انفعالا يذكر، غير أن بوسعنا أن نسلك فينلي في زمرة الأدباء. كذلك الحال بالنسبة لهوبس وممسن وسنت بيف وصموئيل جونسون وأرسطو، فبإمكان الفكر العظيم بغير شعور عظيم أن يصنع أدبا عظيما، وبين أقيم ما لدينا من كتب هناك شطر كبير لا ترجع قيمته إلى خصائصه الانفعالية، وحتى حين يستند العمل العظيم إلى خاصية انفعالية، فإلى أي حد يكون هذا الانفعال إستطيقيا؟ إنني أعرف أن المضمون الفكري والواقعي للشعر العظيم لا يكاد يسهم في دلالته بشيء؛ فالمعنى الحقيقي للكلمات في أغنيات شكسبير، وهي أنقى ما بلغه الشعر في اللغة الإنجليزية، هو في عامة الأحوال إما تافه أو مبتذل:
تعال، تعال إلي أيها الموت
ووارني تحت سروة حزينة
واغربي، اغربي عني أيتها الحياة
فقد قتلتني فتاة قاسية جميلة
هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر ابتذالا من هذا؟ ... إن موسيقى الشكل هي التي تصنع معجزة الشعر العظيم، فالشاعر يعبر في شكل لفظي عن انفعال لا يتصل بالألفاظ التي وضعها إلا صلة بعيدة.
غير أنه يتصل بها على أية حال، وهو من ثم ليس انفعالا فنيا خالصا. إن الشكل ودلالته ليسا كل ما في الشعر؛ فالشكل والمضمون في الشعر ليسا شيئا واحدا، ورغم أن بعض أغنيات شكسبير تقترب من الفن الخالص، فهي لا تخلو في واقع الأمر من أشابة. إن الشكل في الشعر مثقل بمضمون فكري، وهذا المضمون هو حالة نفسية تمتزج بانفعالات الحياة وتستند إليها؛ ومن هنا يعجز الشعر، رغم ما فيه من مواجد، عن أن ينقلنا إلى تلك الذرى العالية من الغبطة الإستطيقية التي ينقلنا إليها الشكل البصري والموسيقي الخالص بفضل انفصاله عن الحياة البشرية.»
لقد خلص كلايف بل إلى أن الأدب يمثل حالة خاصة من حالات الفن، وأنه لا يمكن أن يكون فنا خالصا، ولا يمكن لتذوقه أن يكون تذوقا نقيا؛ ذلك أن عنصر التمثيل ملازم له كظله، والمضمون الفكري يثقله ويجعله لصيقا بالحياة وأحداثها وانفعالاتها. بل إن صفة «أدبي»