تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تتفاوت نعوتهم في القبض والبسط على حسب تفاوتهم في أحوالهم : فمن وارد يوجب قبضا ، ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر ، لأنه غير مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فيه ، لأنه مأخوذ عنه بالكلية بوارده . كما قال بعضهم : أنا ردم ، أي : لا مساغ في . وكذلك المبسوط : قد يكون فيه بسط يسع الخلق ، فلا يستوحش من أكثر الأشياء ، ويكون مبسوطا لا يؤثر فيه شيء بحال من الأحوال . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : دخل بعضهم على أبي بكر القحطي ؛ وكان له ابن يتعاطى ما يتعاطاه الشباب ، وكان ممر هذا الداخل على هذا الابن ، فإذا هو مع أقرانه في اشتغاله ببطالته . فرق قلبه ، وتألم للقحطي ، وقال : مسكين هذ الشيخ ، كيف ابتلي بمقاساة هذا الإبن ؟ فلما دخل على القحطي ، وجده كأنه لا خبر له بما يجري عليه من الملاهي ، فتعجب منه ، وقال فديت ، من لا تؤثر فيه الجبال الرواسي . فقال القحطي : إنا قد حررنا عن رق الأشياء في الأزل . ومن أدنى موجبات القبض : أن يرد على قلبه وارد موجبه إشارى إلى عتاب ورمز باستحقاق تأديب ، فيحصل في القلب لا محالة ، قبض . وقد يكون موجب بعض الواردات إشارة إلى تقريب ، أو إقبال بنوع لطف وترحيب ، فيحصل للقلب بسط . وفي الجملة : قبض كل أ ؛ د حسب بسطه ، وبسطه على حسب قبضه . وقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه : يجد في قلبه قبضا لا يدري موجبه ولا سببه ، فسبيل صاحب هذا القبض التسليم ، حتى يمضي ذلك الوقت ، لأنه لو تكلف نفيه ، أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه . ولعله يعد ذلك منه : سوء أدب . وإذا استسلم لحكم الوقت ، فمن قريب يزول القبض ، فإن الحق سبحانه قال : والله يقبض وببسط . وقد يكون بسط يرد بغتة ، ويصادف صاحبه فلتة لا يعرف له سببا ، يهز صاحبه ويستفزه ، فسبيل صاحبه السكون ، ومراعاة الأدب ، فإن في هذا الوقت له خطرا عظيما فليحذر صاحبه مكرا خفيا .

الرسالة القشيرية · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ٩٤