فالواجب في هذا : أن يقال : إن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال ، فقد يصير المعنى شربا لأحد فيربي فيه . ولك لصاحب هذه الحال أحوال : هي طوارق لا تدوم فوق أحواله التي صارت شربا له ؛ فإذا دامت هذه الطوارق له ، كما دامت الأحوال المتقدمة ، ارتقى إلى أحوال أخر ، فوق هذه وألطف من هذه ، فأبدا يكون في الترقي . سمعت الآستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول في معنى قول صلى الله عليه وسلم : إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة : أنه كان صلى الله عليه وسلم أبدا في الترقي من أحواله فإذا ارتقى من حالة إلى حالة أعلى مما كان فيها ، فربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقى عنها ، فكان يعدها غينا بالإضافة إلى ما حصل فيها ، فأبدا كانت أ ؛ واله في التزايد . ومقدورات الحق سبحانه ، من الآلطاف : لا نهاية لها ؛ فإذا كان حق الحق تعالى ، العز ، وكان الوصول إليه بالتحقيق محالا ، فالعبد أبدا في ارتقاء أحواله . فلا معنى يوصل إليه ، إلا وفي مقدوره سبحانه ما هو فوقه ، يقدر أن يوصله إليه . وعلى هذا يحمل قولهم : حسنات الأبرار سيئات المقربين . وسئل الجنيد عن هذا ، فأنشد : طوارق أنوار تلوح إذا بدت . . . فتظهر كتمانا وتخبر عن جمع ومن ذلك :
| القبض والبسط
وهما : حالتان ، بعد ترقي العبد عز حالة الخوف والرجاء . فالقبض للعارف : بمنزلة الخوف للمستأنف . والبسط للعارف : بمنزلة الرجاء للمستأنف . ومن الفصل بين القبض والخوف ، والبسط والرجاء : أن الخوف ما يكون من شيء في المستقبل ، إما أن يخاف فوقت محبوب أو هجوم محذور . وكذلك الرجاء : إنما يكون بتأميل محبوب في المستقبل ، أو بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه في المستأنف . وأما القبض : فلمعنى حاصل في الوقت ، وكذلك البسط ، فصاحب الخوف والرجاء : تعلق قلبه في حالتيه بآجله . وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عليه في عاجله .