تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه رسالة كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوازن القشيري ، إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام ، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . أما بعد : رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفضلهم على الكافة من عباده ، بعد رسله وأنبيائه ، صلوات الله وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره ، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره . فهم الغياث للخلق ، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق . صفاهم من كدورات البشرية ، ورقاهم إلى محال المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية . ووفقهم للقيام بآداب العبودية ، وأشهد مجارى أحكام الربوبية . فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تكليف ، وتحققوا بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف . ثم رجعوا إلى الله ، سبحانه وتعالى ، بصدق الافتقار ، ونعت الانكسار ، ولم يتكلوا على ما حصل منهم من الأعمال ، أو صفا لهم من الأحوال . علما منهم بأنه جل وعلا يفعل ما يريد ، ويختار من يشاء من العبيد . لا يحكم عليه خلق . ولا يتوجه عليه مخلوق حق ، ثوابه : إبتداء فضل . وعذابه : حكم بعدل . وأمره قضاء فصل . ثم اعلموا ، رحمكم الله ، أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا من هذه الطائفة إلا أثرهم ، كما قيل : أما الخيام فإنها كخيامهم . . . وأرى نساء الحي غير نسائها حصلت الفترة في هذه الطريقة . . ، لا ، بل إندرست الطريقة بالحقيقة : مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء ، وقل الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ، وزال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوى رباطه . وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام . ودانوا بترك الإحترام . وطرح الاحتشام ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا في ميدان الغفلات وركنوا إلى انباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، والارتفاق بما يأخذونه من السوقة ، والنسوان ، وأصحاب السلطان .

الرسالة القشيرية · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ٨