تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخبرنا : علي بن أحمد بن عبدان قال : أخبرنا أحمد بن عبيد قال : حدثنا هشام بن علي قال : حدثنا الحكم بن أسلم قال : أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله . فقيل له : كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال : يوفقه لعمل صالح قبل الموت ' . والإرادة : بدء طريق السالكين ، وهي أسم لأول منزلة القاصدين إلى الله تعالى . وإنما سميت هذه الصفة : إرادة ؛ لأن الإرادة مقدمة كل أمر ، فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله ، فلما كان هذا أول الأمر لمن سلك طريق الله عز وجل سمي : إرادة تشبيها بالقصد في الأمور الذي هو مقدمتها . والمريد ، على موجب الاشتقاق : من له إرادة ، كما أن العالم : من له علم ؛ لأنه من الأسماء المشتقة . ولكن المريد في عرف هذه الطائفة : من لا إرادة له ، فمن لم يتجرد عن إرادته لا يكون مريدا ، كما أن من لا إرادة له ، علي موجب الاشتقاق لا يكون مريدا . وتكلم الناس في معنى الإرادة ؛ فكل عبر على حسب ما لاح لقلبه ، فأكثر المشايخ قالوا : الإرادة : ترك ما عليه العادة وعادة الناس - في الغالب - التعريج في أوطان الغفلة ، والركون إلى اتباع الشهوة ، والإخلاد إلى ما دعت إليه المنية . والمريد منسلخ عن هذه الجملة ؛ فصار خروجه إمارة ودلالة على صحة الإرادة ، فسميت تلك الحالة : إرادة ، وهي خروج عن العادة ؛ فإن ترك العادة أمارة الإرادة . فأما حقيقتها : فهي نهوض القلب في طلب الحق ، سبحانه ، ولهذا يقال : إنها لوعة تهون كل روعة . سمت : الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول حاكيا على ممشاد الدينوري ، أنه قال : مذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيرا ؛ وذلك أن فقيرا قدم علي فقال : أيها الشيخ أريد أن تتخذ لي عصيدة . فجرى على لساني إرادة وعصيدة فتأخر الفقير ولم أشعر به ، فأمرت باتخاذ عصيدة . . وطلبت الفقير . فلم أجده . . فتعرفت خبره . . فقيل لي : إنه انصرف من فوره ، وكان يقول في نفسه : إرادة وعصيدة . . إرادة وعصيدة . . وهام على وجهه حتى دخل البادية ، ولم يزل يقول هذه الكلمات حتى مات . وعن بعض المشايخ قال : كنت بالبادية وحدي ، فضاق صدري ، فقلت : يا إنس ،

الرسالة القشيرية · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ٢٣٦