يا أحمد ، إن طرق الآخرة كثيرة ، وشيخك عارف بكثير منها إلا هذا التوكل المبارك ، فإني ما شممت منه رائحة . وقيل : التوكل : الثقة بما في يد الله تعالى ، واليأس عما في أيدي الناس وقيل التوكل : فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق . وسئل الحارث المحاسبي ، رحمه الله ، عن المتوكل : هل يلحقه طمع ؟ فقال : يلحقه من طريق الطباع خطرات ، ولا تضره شيئا ، ويقويه على إسقاط الطمع اليأس مما في أيدي الناس . وقيل : جاع النوري في البادية ، فهتف به هاتف : أيما أحب إليك : سبب أو كفاية . فقال : الكفاية ليس فوقها نهاية ، فبقي سبعة عشر يوما لم يأكل . وقال أبو علي الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام : أنا جائع ، فالزموه السوق ، ومروه بالعمل والكسب . وقيل : نظر أبو تراب النخشبي إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام . فقال له : لا يصلح لك التصوف إلزم السوق . وقال أبو يعقوب الأقطع البصري : جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفا . فحدثتني نفسي ، فخرجت إلى الوادي ، لعلي أجد شيئا يسكن ضعفي . . فرأيت سلجمة مطروحة . . فأخذتها . . فوجدت في قلبي منها وحشة . وكأن قائلا يقول لي : جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة . فرميت بها ودخلت المسجد فقعدت ، فإذا أنا برجل أعجمي ، جلس بين يدي ووضع قمطرة ، وقال : هذه لك . فقلت : كيف خصصتني بها ؟ فقال : أعلم أنا كنا في البحر منذ عشر أيام . وأشرفت السفينة على الغرق : : فنذر كل واحد منا : إن خلصنا الله ، تعالى ، أن يتصدق بشيء ، ونذرت أنا : إن خلصني الله تعالى أن أتصدق بهذه على أول من يقع بصري عليه من المجاورين وأنت أول من لقيته . فقلت : افتحها ففتحها ، فإذا فيها : كعك سميد مصري ، ولوز مقشور ، وسكر كعاب فقبضت قبضته من ذا ، وقبضة من ذا ، وقبضة من ذا . وقلت رد الباقي إلى صبيانك ، هو هدية مني لكم ، وقد قبلتها . ثم
الرسالة القشيرية · الصفحة ٢٠٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الرسالة القشيريةص ٢٠٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي