وبعضها في مكان آخر، والمكانان متباينان في الصِّفات، ومتضادَّان في الخصال؟!
ونحن مع ذلك نرى هذا المخلوق شامخاً في جَوِّ السَّماء وراسخاً في باطن الأرض؛ يعيش دهراً من الزَّمان يعطي الفاكهة والطعام والدَّواء والأخشاب عطاءً غير مجذوذ؛ وهذا يدلُّ بيقين على أن ذلك الصُّنعَ المحكمَ المتقنَ ليس بمقتضى الطبع والخاصية؛ بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتَّكوين والقهر والتَّسخير.
وهذه أرض طيبة: تمسك الماء، وتنبت العشب والزرع والشجر، وتلك أرض أخرى تلاصقها: لا تمسك ماءً، ولا تنبت شيئاً، وهذه أرض ثالثة: تمسك الماء لكن لا تُنبت شيئاً، وهذه ثمرة حمراء، وتلك خضراء، وأخرى صفراء؛ فمَن الذي خلق ونَوَّعَ، وأحكم وتَصَرَّف، وانقادت لحكمته سائر الكائنات، وخضعت لمشيئته كافَّةُ المخلوقات؟!
ومن الذي خلق الأنعامَ وذلَّلها للإنسان وسخر منافعها له؛ فنشرب منها لبناً خالصاً سائغاً من بين فرث ودم، ونأكل من لحومها، ونلبس ونفترش من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ونحمل عليها أثقالَنا ومتاعَنا لنبلغ بها أقاصي البلاد؟! أفلا يَدُلُّ هذا على وجود خالق عظيم قويٍّ قاهر حكيم محيط بجميع المخلوقات، قد علاهم