تخطَّ إلى المحتوى

17

وصله بليلته .فأمسى يوما وقد فرغ من حوائجهم فدعا بمصباح قد كان يستصبح به من ماله , ثم صلى ركعتين ثم أقعى واضعا يده تحت ذقنه تسيل دموعه على خده,فلم يزل كذلك حتى برق الفجر فأصبح صائما.

فقلت له : يا أمير المؤمنين , لشيء ما كان منك ما رأيت الليلة ؟

قال: أجل , إني قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أسودها وأحمرها فذكرت الغريب القانع الضائع , والفقير المحتاج , والأسير المقهور وأشباههم في أطراف الأرض , فعلمت أن الله تعالى سائلني عنهم وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حجيجي فيهم , فخفت أن لا يثبت لي عند الله عذر , ولا يقوم لي مع محمد صلى الله عليه وسلم حجة , فخفت على نفسي .

ووالله إن كان عمر ليكون في المكان الذي ينتهي إليه سرور الرجل مع أهله فيذكر الشيء من أمر الله فيضطرب كما يضطرب العصفور قد وقع في الماء , ثم يرتفع بكاؤه حتى أطرح اللحاف عني وعنه رحمة له .

ثم قالت :والله لوددت لو كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد مابين المشرقين.

قال:

[48]وحدثني بعض أشياخنا الكوفيين قال:قال لي شيخ بالمدينة : رأيت عمر بن عبد العزيز بالمدينة وهو من أحسن الناس لباسا , وأطيبهم ريحا , ومن أخيلهم في مشيته , ثم رأيته بعد أن ولي الخلافة يمشي مشية الرهبان.قال:فمن حدثك أن المشية سجية فلا تصدقه بعد عمر بن عبد العزيز .

قال:

[49]وحدثني بعض أشياخنا عن إسماعيل بن أبي حكيم , قال: غضب عمر بن عبد العزيز يوما فاشتد غضبه - وكان فيه حدة - وعبد الملك ابنه حاضر . فلما سكن غضبه قال له : يا أمير المؤمنين في قدر نعمة الله عندك وموضعك الذي وضعك الله به وما ولاك من أمر عباده أن يبلغ بك الغضب ما أرى ؟

قال: كيف قلت ؟ فأعاد عليه كلامه .

فقال له عمر : أما تغضب أنت يا عبد الملك ؟

قال: ما يغني عني جوفي إن لم أرد الغضب فيه حتى لا يظهر منه شيء .

الخراج · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.