تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شتيمة الدوغمائية:

يلاحظ المتابع لخطاب غلاة المدنية ولعهم المبالغ فيه بذكر "النسبية" واتهام المخالفين لهم بمصطلحات الوثوقية والدوغمائية واليقينية ونحوها.

والنسبية في المسائل الاجتهادية حق لا مرية فيه أقره الشارع في حديث "لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة", ولكن المؤلم في خطاب غلاة المدنية أن بعضهم يتحدث نظرياً عن النسبية فيما دون القطعيات, ولكنك تكتشف أن هذه النسبية لا تتوقف أصلاً, بل تمتد وتمتد يوماً بعد يوم, فكل من خالف في قطعي من قطعيات الوحي سواء كان متقدماً أم معاصراً تجد من يبرر له ذلك بشعار النسبية.

ومن واقع تجربة مرة فإن أكثر من قرأت له من غلاة المدنية عن النسبية وجدته في بادئ الأمر يتحدث عن النسبية في الاجتهاديات، وهذا مستوى محمود لا شك فيه, إلا أنه بعد فترة يقفز إلى تطبيق النسبية في كل شئ, فكثير من غلاة المدنية يجعلون كل شئ "نظراً شخصيا محضاً", ولا يجعلون لمعطى من المعطيات الشرعية -مهما كان قطعيته وحسمه وصراحته ووضوحه- شأنا يستحق الجزم واليقين المطلق.

ومما بنوا على أصل النسبية أنهم يسمون الغيرة على الشريعة والفضيلة "توتراً" ويطلقون على الداعية الذي يغضب ويتمعر وجهه إذا انتهكت الأصول الشرعية "متوتراً" أو يسمونه "نزقاً" ونحو هذه الأوصاف والعيوب.

ومما بنوا على أصل النسبية أيضاً التبرم بالحديث عن "شرف هذه الأمة" وفضلها على سائر الأمم, وينزعجون كثيراً من الحديث عن اجتباء هذه الأمة واصطفائها وحب الله لها, ويرونه لوناً من الوهم والتضليل والوثوقية.

ومما بنوا على أصل النسبية أيضاً أنهم يسمون إنكار المنكرات الشرعية ونهي المقصر "إقصاءً", ولذلك يتباهى كثير من غلاة المدنية ببرودهم أمام مظاهر التقصير الديني باعتبارها "حرية شخصية", ويجعلون سجية "التواصي" التي شرفها الله "وصاية" ويكثرون من تنقصها.

فإذا تأمل القارئ هذه الظاهرة اعتصره الألم وهو يرى محامد الوحي تتحول إلى مذامّ بألاعيب الألفاظ وتزويق المفردات.

والحقيقة أن من راقب مآلات النسبية رأى أنها الطريق الذي يقود المرء خطوة خطوة إلى "العدمية" المحضة التي لا تكاد تثبت شيئاً, وتجعلك غير قادر على الحماس لأي معطى شرعي, وتسلب المرء فضيلة اليقين وتقحمه في كهوف الارتياب والحيرة والتردد.

ولذلك فإن جبريل حين جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله في ذلك المجلس الذي قررت فيه أصول الدين الثلاث الإحسان والإيمان والإسلام, جعل أشرف هذه المراتب هي "الاحسان" وعرف

مآلات الخطاب المدني · الصفحة ٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مآلات الخطاب المدنيص ٨٥