تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصير وعدوان, وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية الصواب في خلافها, فإنَّ ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم ضل به ضلالا كبيرا) مجموع الفتاوى 4/ 155

والأمر الثاني أن هؤلاء الكتَّاب وقعوا ضحية لسخرية دعاة "تجديد القراء" عبر ألوان المعايب والمهامز التي يسكونها للتنفير من متبعي هذا المنهج, ككثرة لمزهم بعبارة "التقليدية" و "الأدلجة" وتشويه مصطلح "السلف", والواجب على العامل للاسلام أن يسير في جهاده التجديدي المحمود, على منهج القرون المفضلة في النقل والعقل والسلوك, ويسليه في هذا الطريق قوله تعالى (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}.

وبالجملة فكل من تأمل ماورد من النصوص الشرعية في فضل القرون المفضلة عموماً وأعياناً, واطلع على تاريخ حياتهم العلمية والسلوكية: علم قطعاً أن توقير القرون المفضلة, والاجتهاد في تحقيق مذهبهم, وحبهم واللهج بذكرهم, أمارة خير وحسن قصد, ومفتاح هداية في أهم المطالب, ولذلك قال الامام ابن تيمية:

(وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة: بقدر استنانها, وقلة ابتداعها) المجموع 4/ 156

وخلاصة الأمر في الموقف من هذه الإشكالية أن: الدعوة الى تجديد منهج قراءة النصوص بمايعارض منهج القرون المفضلة مؤداه تجهيل وتضليل تلك القرون المفضلة في أهم المطالب ومصادمة قطعيات النصوص في تقرير اهتدائهم وبصيرتهم, إذ الفضيلة ملازمة للاهتداء, ولاتكون الفضيلة مع الضلالة.

وختاماً .. أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا جميعاً حسن القصد والنية, وأن يسلم قلوبنا من الالتفات الى ثناء المخلوقين وتطلب حمدهم, وأن يحمينا من تزين بعضنا لبعض, فقد تتابعت عبارات أئمة القرون المفضلة على أنه من أصلح مابينه وبين الله أصلح الله مابينه وبين الناس, بل لقد كان أئمة السلف يتراسلون فيما بينهم بهذا المعنى, ولذلك روى الامام ابن أبي الدنيا في كتاب الاخلاص والنية بسنده الى معقل بن عبيد الله الجزري قال:

(كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض أنه: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن اهتم بأمر آخرته كفاه الله أمر دنياه)

وأنا أعلم أن هذه المقامات منازل إيمانية صعبة, الكلام عليها يسير ولكن بلوغها من أعسر الأعمال, وبها تميز أئمة القرون المفضلة حيث كانوا يجتهدون في أعمال القلوب ويقتصدون في العبادات الظاهرة, وإنما المراد من ذكر هذه المقامات تذكير النفس والاخوان بها, ومن تتبع وسائل الشريعة في بلوغ هذه المقامات الايمانية العزيزة وجدها تدور حول ثلاثة وسائل: الاستعانة, والمجاهدة, والتواصي.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

مآلات الخطاب المدني · الصفحة ١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مآلات الخطاب المدنيص ١٥٩