تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يبين هذا ويوضحه أن العمارة ضدها "الخراب", وقد بين تعالى أن أقبح أنواع الخراب هو خراب الأرض من الإيمان, كما قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:114]

3.أن الله تعالى ضرب لنا المثل بأمم كثيرة أبدعت في "العمارة المادية" ومع ذلك عرض الله تعالى أخبارها في سياق الذم لما أفلست في "العمارة الإيمانية" كما قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:9]

والمتأمل في الحضارة المعاصرة اليوم يجد هذه الصورة حية جذلة، فقد تفننت في العمارة المادية وأفلست في العمارة الإيمانية.

4.أنه لو فرض أن لفظ "العمارة" في هذه الآية دال على الحث على المدنية والحضارة, فإن هرم الأولويات وسلم القيم في الشريعة لا يستمد من آية واحدة صريحة, وإنما يستمد من مجموع استيعاب تصرفات الشارع وخلاصة توازنات النصوص, فكيف وهذه الآية أصلاً آية محتملة الدلالة ويقابلها مئات المحكمات الدالة على أولوية الإيمان والفرائض والفضيلة وأنها هي النور الحقيقي والعمارة الشريفة وأن كل ما سواها من الدنيا إنما هي مجرد وسائل.

وأما "آية الاستخلاف" فإن كثيراً من غلاة المدنية يستشهدون بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض خليفة) على مفهوم "خلافة الانسان", فيشيرون دوماً الى أن الله تعالى جعل "آدم" خليفة عنه في الأرض, والذي يعني نيابة الانسان عن الله في عمارة الأرض, والمتأمل في دلالات هذه الخلافة في سياق الخطاب المدني يجدهم يستشهدون بهذه الآية في سياقين, أولهما: أولوية العمارة, وثانيهما: مركزية الانسان.

والواقع أن هذا الاستدلال بهذه الآية غيب عدة معطيات جوهرية سنشير لبعضها:

1 - أن الراجح في تفسير معنى "الخليفة" في هذه الآية ليس كون آدم خليفة ينوب عن الله, وإنما معناه "خلافة الآدميين بعضهم بعضاً" بمعنى أن جنس الآدميين يتداولون الخلافة ووراثة الأرض, وقد أكد هذا الترجيح كثير من المحققين.

والحيثيات التي تبرهن رجحان هذه الفهم متعددة تتبين بتأمل سياق هذه الآية ذاتها, وباستيعاب مجمل نصوص الشارع واستخلاص مراده من مفهوم "خلافة الآدميين".

مآلات الخطاب المدني · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مآلات الخطاب المدنيص ٤١