تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي ، فرددنا عليه صلته ، وعندها لاتذم أحدا ولا تبغضه لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأول ، وإذ له في المنع من الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة ، ولكن نذمه وننقصه ونبغضه إن كان استوجب ذلك من مولاه ، فيكون موافقا له ، والله تعالى يشهد يده في العطاء ، ويمدح المنفقين نهاية في كرمه ، ويشهد في المنع والمكروه مشيئته ، ويذم الباخلين والعاصين قدرة من حكمته وحكما من تقديره لإظهار الأحكام وتفصيل الحلال والحرام وعود الثواب والعقاب على الأنام ، فقد أظهر الأمر واستأثر بسر القدر فعمل المؤمن بما أمر وسلم له ما استأثر . وروى بعض العلماء عن الله تعالى : لو أن ابن آدم لم يخف غيري ماأخفته من غيري ، ولو أن ابن آدم لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري ، وروى أعظم من هذا قال : وضع العبد في قبره مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عز وجل يفزعه في قبره إلى يوم القيامة ، وقال الفضيل بن عياض : من خاف الله خاف منه كل شيء ، ويقال : إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق ، وإن ذلك من قلة الفقه عن الله تعالى وقد قال الله أحسن القائلين في معناه : ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) الحشر : 13 فكان العبد إذا تم خوفه من الله تعالى ، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه ، وحول ذلك في قلوب المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو ، كما إذا كملت مشاهدة العبد وقام بشهادته وغيبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عز وجل فلم يرها ، وقام له القيوم بنصيبه من الملك لما تفرغ قلبه لمعاينة الملك ، وقال سنيد عن يحيى بن أبي كثير : مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله ، وقال سنيد : يعني أن يقول : لولا فلان هلكت ، ولولا كذا ما كان كذا ، ويقال : إن قول العبد لولا كذا ماكان كذا من الشرك ، وقال في الخبر : إياكم ولو فإنه يفتح عمل الشيطان . وقال بعض العلماء : سوف جند من جنود إبليس ، وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) العنكبوت : 65 قالوا : كان الملاح فارها ، ومثله في قوله تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) يوسف 106 ، قيل قالوا : لولا نباح الكلاب وزقاء الديكة لأخذنا السرق ، وروينا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : من اعتز بالعبيد أذله الله ، وقد جاء في الخبر : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، ولزالت بدعائكم الجبال ، وقد كان عيسى عليه السلام يقول : انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله يرزقها يوما بيوم ، فإن

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٦