تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلتم نحن أكبر بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله لها هذا الخلق ، ويقال : لا يدخر من الدواب إلا ثلاثة : النملة والفأرة وابن آدم ، وقال أبو يعقوب السوسي : المتوكلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله واختياره على يد خصوص عباده بلا شغل ولا تعب ، وغيرهم مكدودون مشغولون ، وقال أيضا : المتوكل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدع لا يصح له التوكل ، وأول التوكل ترك الاختيار والمتوكل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق ، لا يشكو ما به إليهم ، ولا يذم أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد ، فقد شغله عما سواه ، وقيل لسهل : ما أدنى التوكل ؟ قال : ترك الأماني ، وأوسطه ترك الاختيار ، قيل : فما أعلاه ؟ قال : لا يعرفه إلا من توسط التوكل وترك الاختيار ، أعطى فذكر كلاما طويلا . وقال بعض هذه الطائفة : العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم من المولى ، ثم يفترقون في المشاهدات ، فمنهم من يأكل رزقه بذل ، ومنهم من يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم من يأكل رزقه بعز لا مهنة ولا انتظار ولا ذلة ، فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذل ، فالسؤال يشهدون أيد الخلق فيذلون لهم ، والذين يأكلون بامتهان ، فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنة وكره ، والذين يأكلون أرزاقهم بانتظار ، فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذب بانتظاره ، والذين يأكلون أرزاقهم بعز من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل فالصوفية ، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة ، فأما الذين يأكلون من أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة خاسرة وقعوا في الذل الواضح . وسئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور : الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله فقال : هذا مخصوص وعيال الله خاصته ، قيل : كيف ؟ قال : لأن الناس أربعة أقسام : تجار وتجارة وصناع وزراعة ، فمن لم يكن منهم فهو من عيال الله ، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لهؤلاء ، وهذا كما قال : لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الحقوق وفرض الزكاة في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا تجارة له ولا صنعة فجعل معاشهم على التجار والصناع ، ألا ترى أن الزكاة لا تجوز على تاجر ولا صانع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب ، فأقام الاكتساب مقام الغني . وقال الله تعالى : ( وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين ) الحجر 20 فكان من تدبر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ليس له فيها معيشة في الأرض ، وقال عامر بن عبد الله : قرأت ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل استعنت بهن على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٧