تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك جاء في الخبر : كفى باليقين غنى ، حينئذ نظر إليه في كل شيء ، ووثق به ، واعتمد عليه دون كل شيء ، وقنع منه بأدنى شيء ، وصبر عليه ، ورضي عنه ، إذ لا بد له منه ، فثم لا يطمع في سواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يشهد في العطاء إلا يده ، ولا يرى في المنع إلا حكمته ، ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته ، هناك حقت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه ، وطلب الرزق عند معبوده ورازقه ، وقام بشهادة ما قال تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) الأعراف : 194 قال : ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) العنكبوت : 17 . فعندها لم يحمد خلقا ولم يذمه ولم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأول المعطي ، ولم يشكره إلا لأن مولاه مدحه وأمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه ، واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته لمولاه بموافقته هواه ، لأنه تعالى قد مدح المنفقين وذم الباخلين ، والفرق بين الحمد والشكر : أن الحمد مفرد لا ينبغي إلا وهو الاعتراف بأن النعمة من الله عز وجل ، وحسن المعاملة بها لوجه الله لاشريك له فيه ، ولذلك قال : الحمد لله رب العالمين ، أي الحمد كله لا يكون ولا ينبغي إلا ، لأنه رب العالمين ، وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عز وجل ، والشكر إظهار الثناء ، وأسرار الدعاء للأواسط ، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان ، وهو أيضا مخصوص لمن هو أهل أن يشكر من الناس ، حدثونا عن يوسف بن أسباط قال : قال لي الثوري : لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر ، قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إذا أوليتك معروفا ، فكنت به أسر منك ، وكنت منك أشد استحياء فاشكر وإلا فلا ، وسأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم يكن معه ، فأخرج فتى في مجلسه كيسا فيه مائتا درهم ، فعرضه عليه فلم يقبله وقال : أو كل من بذل لنا شيئا قبلناه منه ؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله عليه فيما أعطى أعظم من نعمته علينا فيما نأخذ ، وحدثونا عن الحسن في قصة طويلة أن رجلا بذل له جملة من المال فرده ، فلما انصرف قال له هاشم الأوقص : عجبت منك يا أبا سعيد رددت على الرجل كرامته ، فانصرف حزينا ، وأنت تأخذ من مالك بن دينار ومحمد بن واسع الشيء بعد الشيء ، فقال له الحسن : ويحك إن مالكا وابن واسع ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما ، فعلينا أن نقبل ،

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٥