تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في البعض كان بعض الاتفاق وبعض الاختلاف فيوجد من الائتلاف بمقدار ما وجد من التعارف ، ويوجد من الإختلاف نحو ما فقد من الاتفاق ، وهذا هو تناكر الأرواح لتباعد نشأتها وتشامها في الهواء ، وذلك الأو ل هو تعارف الأرواح بقرب التشام باجتماع الأوصاف . حدثت عن يعقوب ابن أخي معروف رحمهما الله قال : جاء الأسود بن سالم إلى عمي معروف ، وكان مؤاخيا له فقال : إن بشر بن الحارث رحمه الله يحب مؤاخاتك ، وهو يستحي أن يشافهك بذلك ، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها ، إلا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك ، ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة ، فإنه يكره كثرة الالتقاء ، فقال معروف رحمه الله : أما أنا ، فلو أحببت واحدا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا نهارا ، ولزرته في كل وقت ولآثرته على نفسي في كل حال ، ثم ذكر من فضل الأخوة والحب في الله عز وجل أحاديث كثيرة ، ثم قال فيها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين علي عليه السلام ، فشاركه في العلم وقاسمه في البدن وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه ، وخصه بذلك لمؤاخاته : وإني أشهدك أني قد عقدت له أخو ة بيني وبينه وأعتقده أخا في الله عز وجل لرسالته ولمسألتك ، على أن لا يزورني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت ، وآمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها ، وآمره أن لا يخفي علي شيئا من شأنه ، وأن يطلعني على جميع أحواله ، قال : فأنصرف بذلك أسود بن سالم فأخبر به بشرا ، فرضي بذلك وسربه ، فهذا أسود بن سالم أحد عقلاء الناس وفضلائهم ، فكان فيه اتساع للأصحاب وصبر عليهم ، وهو الذي أشار معروف به على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال : يا أبا محفوظ ، هذان الرجلان إماما هذا البلد ، فأشر علي أيهما أصحب ، فإني أريد أن أتأدب به أحمد بن حنبل أو بشر بن الحارث رضي الله عنهما قال له معروف : لا تصحب أحدهما ، فإن أحمد صاحب حديث ، وفي الحديث : اشتغال بالناس فإن صحبته ذهب ما تجد في قلبك من حلاوة الذكر وحب الخلوة ، وأما بشر فلا يتفرغ لك ولا يقبل عليك شغلا بحاله ، ولكن اصحب أسود بن سالم ، فإنه يصلح لك ويقبل عليك ، ففعل الرجل ذلك فانتفع به وإنما ضمه معروف رضي الله عنه إلى الأسود دونهما ، لأنه كان أليق بحاله وأشبه بوصفه ، وكذلك روينا في حديث المؤاخاة الذي آخى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، فآخى بين إثنين شكلين في العلم والحال آخى بين أبي بكر وعمر ، وبين عثمان وعبد الرحمن ، وهما نظيران ، وآخى بين سلمان وأبي الدرداء وهما شكلان في العلم والزهد ، وآخى بين عمار وسعد وكانا نظيرين ، وآخى بين علي وبينه رضي الله عنهم أجمعين ، و صلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ، وهذا من أعلى فضائله لأن علمه من علمه ، وحاله من

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٣٩٣