تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مالك بن دينار يقول مثل هذا ، وقد لا يتفق اثنان في عشرة ودوام صحبة ، إلا وفي أحدهما وصف من الآخر وإن أشكال الناس كأجناس الطير ، قال ورأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك وقال : كيف اتفقا وليسا من شكل قال : ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال : من ههنا اتفقا ويقال : إذا اصطحب اثنان برهة من الزمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يفترقا ، وقد أنشدنا بعض العرب لبعض الحكماء في معناه : وقائل لما تفرقتما . . . فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته . . . والناس أشكال وآلاف وقد روينا في حديث أن الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، تلتقي فتشام في الهواء ، قيل معناه في المذهب والخلق ، وفي هذا الخبر زيادة ولو أن مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق وفيه مؤمن واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ، ولوأن منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن وفيه منافق واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ، وقد ذكر لهذا الحديث سبب على ما ذكرناه ، وهو أن امرأة عطارة كانت بالمدينة من أحد فقدمت امرأة من مكة عطارة وكانت مزاحة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : على من نزلت قيل : على فلانة فقال : الأرواح جنود مجندة ، وبعض العلماء يقول : إن الله خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا ، وقدر بعضها قدرا ، ثم أطافها حول عرشه ، فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا ههنا في الدنيا وترافقا ، وأي روحين من قدرتين أو فلقة وقدرة أختلفا ثم وتناكرا هناك فاختلفا في الجولان ، فإن هذين إذا ظهرا اليوم تباينا وتنافرا ، فهذا تأويل الخبر عنده ، فما تعارف منها أي في الطواف فتقابلا تعارفا ههنا وترافقا ائتلفا ، وما تناكرا ثم في الجولان فتدابرا تناكرا ههنا اليوم في الخلق والحال لما ظهرا فاختلفا ، وليس الائتلاف يقع بنفس الاجتماع ووقت الاتفاق ، فإنما الائتلاف يكون بمجانسة الحال ومشاكلة الأخلاق ، لأنهم شبهوا أجناس الناس بأجناس الطير ، وقد يتفق الطيران من جنسين ويتجامعان في مكان ، فلا يكون ذلك ائتلافا في الحقيقة ولا اتفاقا في الخليقة لتباينهما في التشاكل ، ولا يتبين ذلك في الاجتماع وإنما يتبين في الطيران إذا طارا معا ، فأما إذا ارتفع أحدهما ووقع الآخر وعلا أحدهما وقصر الآخر ، فلا بد من افتراق حينئذ لفقد التشاكل ، ولا بد من مباينة لعدم التجانس عند الطيران ، فهذا مثال ما ذكرناه من الافتراق لعدم حقيقة تشاكل الحال والوصف بعد الاتفاق ، واعلم أن الائتلاف والاختلاف يقع بين اثنين إذا اشتركا وافترقا في أربعة معان ، إذا استويا في العقود ، واشتركا في الحال ، وتقاربا في العلم واتفقا في الأخلاق ، فإن اجتمعا في هذه الأربع فهي : التشاكل والتجانس ومعه يكون الائتلاف والاتفاق ، وإن اختلفا في جميعها فهو التباعد والتضاد وعنده يكون التباين والإفتراق ، وإن اتفقا في بعضها واختلفا

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٣٩٢