فرسًا (١) حتى بدا فخذه" (٢)، وكان جالسًا بين جماعة من أصحابه وركبته مكشوفة حتى دخل عثمان بن عفان فغطاها، فأعلم أنه استحيت منه ملائكة السماء رضي الله عنه (٣)، وهذا يدل على أنها ليست بعورة ولكن تغطيتها من باب الأولى. وقد قال - ﷺ - (٤) لجرهد (٥): "غط فخذك فإنه عورة" (٦)، وهذا نص. ولكن ذكر البخاري رحمه الله أن سند الحديث الأول أقوى، وهو يحتمل أن يكون بدا منه فخذه - ﷺ - وهو غير عالم بذلك، ويحتمل الحديث الآخر أن يكون غافلًا عن كشف ركبته حتى دخل عثمان رضي الله عنه فنبهه لذلك. لكن هذا الاحتمال فيه بعد. وكان - ﷺ - شديد التحفظ ومحفوظ من كشف ما لا يسوغ كشفه، ولما كشف عورته في حال الصبا يستعين بذلك على نقل الحجارة لبناء الكعبة سقط إلى الأرض وفتحت (٧) عيناه إلى السماء فلم ير بعد ذلك مكشوف العورة. فهذا يدل على أنه كان محفوظًا مما ذكرناه في تأويل الحديثين المتقدمين.
وبالجملة فمثار الخلاف الترجيح بالنص (٨) الذي لا يحتمل التأويل أو
(١) هكذا في سائر النسخ، وفي (ل) اختلاف في ظاهر ما جرى في ذلك لأن رسول الله - ﷺ - أجرى فرسًا.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرج مسلم في فضائل الصحابة ٢٤٠١ عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - مُضطجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أبو بَكْر فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ ثُمّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَثَ ثُمَّ استَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَسَوَّى ثِيَابَهُ قَالَ: مُحَمَّدٌ وَلاَ أَقُولُ ذَلِكَ في يَوْم وَاحِدٍ فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَت عَائِشَةُ: دَخَلَ أبو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبُالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ ثُمَّ دَخَلَ عُثمَانُ فَجَلَستَ وَسَوَيتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: "أَلاَ أَستَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الملَائِكَةُ".
(٤) في (ق) وقال الرسول - ﷺ - لنحو هذا.
(٥) هو الصحابي الجليل جرهد بن رزاح بن عدي الأسلمي توفي سنة٦١. انظر الإصابة ١/ ٥٤٨.
(٦) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وهو عند الترمذي في الأدب ٢٧٩٦ "غَطِّ فَخِذَكَ فَإنهَا مِنَ الْعَوْرَة" وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثْ حَسَنٌ".
(٧) في (ر): وطمحت.
(٨) في (ت) التنصيص و(ر) بالتنصيص.