فأهل السنة والجماعة في وسط المبتدعة غرباء، وأهل السنة والجماعة يعاملون في وسط المبتدعة معاملة الاقليات المسلمة في بلاد النصارى، فهذا نوع من الغربة (1).
ثانياً: من هم الغرباء؟
لو نظرنا في حال الفرق والأحزاب والجماعات التي انشقت من الجماعة الأم، فإننا لا نجد أحداً ينطبق عليه وصف الغربة الواقعة اليوم إلا السلفيين (2) أهل السنة
(1) من شريط مفرغ باسم ((بين الغربة والتمكين: 8)).
(2) السلفيون نسبة إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم، والسلف هم أهل القرون الثلاثة المفضلة التي جاءها الثناء والمدح من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -)، من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان.
والسلف لغة: ما مضى وتقدم، يقال: سلف الشيء سلفاً: أي مضى، والسلف: الجماعة المتقدمون، أو القوم المتقدمون في السير.
قال تعالى: ((فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ)) [الزخرف: 55].
أي: جعلناهم سلفاً متقدمين لمن عمل بعملهم، وذلك ليعتبر بهم من بعدهم، وليتعظ بهم الآخرون.
والسلف: (من تقدمك من آبائك وذي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل؛ ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين: السلف الصالح).
قال القرطبي في تفسيره: ((16/ 88)): ((قوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفاً﴾ أي جعلنا قوم فرعون سلفا قال أبو مجلز: (سلفاً) لمن عمل عملهم، (ومثلاً) لمن يعمل عملهم.
وقال مجاهد: (سلفاً) إخباراً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، (ومثلاً) أي عبرة لهم، وعنه أيضاً (سلفاً) لكفار قومك يتقدمونهم إلى النار، قال قتادة: (سلفاً) إلى النار (ومثلاً) عظة لمن يأتي بعدهم، والسلف المتقدم يقال: سلف يسلف سلفاً مثل طلب طلباً أي تقدم ومضى، وسلف له عمل صالح أي تقدم، والقوم السلاف المتقدمون، وسلف الرجل آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف.
وقال الدكتور إبراهيم بن محمد البريكان في ((المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية: 14)): (السلف في اللغة: المتقدم في الزمن على غيره. ... = ...
=وشرعاً: هم الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين، ممن أجمعت الأمة على عدالتهم وتزكيتهم، ولم يرموا ببدعة مكفرة أو مفسقة، وهم بهذا المعنى تعبير عن شخصية اعتبارية ومنهج متبع. ......
وبهذا يعلم عدم صحة دعوى أن السلفية مرحلة زمنية وكفى لأن منهج السلف يشتمل على جانبين:
الأول: جانب القدوة.
الثاني: جانب المنهج المتبع.
فالقدوة: هم أصحاب العصور الثلاثة، والمنهج: هو الطريقة المتبعة في هذه العصور في الفهم العقدي والاستدلال والتقرير والعلم والإيمان.
وبهذا يعلم: أن الوصف بالسلفية مدح وثناء على كل من أتخذها قدوة ومنهجاً.
وأما الوصف بها دون تحقيق ما دلت عليه فليس فيه مدح وثناء، لأن العبرة بالمعاني لا بالمصطلحات اللفظية .......
ثم قال: والخلف: هو المتأخر بالزمن عمن قبله.
وشرعاً هم كل من رُمي ببدعة مكفرة أو مفسقة وذُم من الأمة شخصاً أو معتقداً. ... =
= والخلف هنا أيضا ليس فترة زمنية تنقضي بموت أفرادها، ولكنه منهج وقدوة في الباطل، وهو بذلك قدوة لمن فسُد اعتقاده ... )) أ. هـ
ولهذا يطلق على طريقتهم السلفية نسبة لذلك، وعلى طريقة من عدل عن منهجهم الخَلَفية نسبة لذلك.