على طريق الحق والهدى أولائكم الأصناف الأربعة زالت عنه الوحشة، وأصبح قوي العزيمة، مشدوداً به أزره لا يخشى في الله لومة لائم، ولا تزعزعه ثقته بنصر الله لجنده كثرة الهالكين ولا قلة السالكين؛ لأن أولئكم الصفوة هم خير عباد الله من البشر؛ فمن كان رفيقَه خيرُ عباد الله فلن يستوحش، بل يزداد ثباتاً وصبراً ويقيناً وقوةً.
الأمر الثاني: ما جاء في حديث السبعين ألفاً اللذين يدخلون الجنة بلا حساب وهو مخرَّجٌ عن أبن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين؛ فقد جاء فيه: ((فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد)). لنتأمل في هذا الحديث قليلا، فهذا النبي الذي جاء وليس معه أحد إلى من بعث؟، إلى أمة أم إلى غير أمة؟! إلى أمة بعث بماذا؟ ألم يكن مبعوثا ذلكم النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يجبه أحد أو النبي الذي أجابه الرجلان أو الرهط ـ وهم من الثلاثة إلى العشرة أو إلى التسعة ـ ألم يكونوا جاءوا بالهدى ودين الحق؟، ألم يكونوا أعظم الناس مكانا عند الله سبحانه وتعالى؟؛ فما أظن أن أحداً منكم يخالفني في الجواب ببلى، فكيف بمن دونَهم ممن يدعوا إلى الله على بصيرة.
وثانياً: هذا الحديث فيه دليل على أن العبرة ليس بالكثرة، بل العبرة في إصابة الحق. وقد تفطَّن إلى هذا المجدد الثالث للسلفية ـ رحمه الله ـ الشيخ محمد بن عبد الوهاب: قال في مسائله على الباب والحديث: ((لا يجوز الاغترار بالكثرة، ولا الزهد في القلة)). وهذا المعنى يزيدُه وضوحًا حديث افتراق الأمم الذي هو صحيحٌ بمجموع طرقه؛ فقد جاء في بعض طرقه: ((وستفترقُ هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة))، قالوا: مَن هي يا رسول الله؟، قال: ((الجماعة)).
وهذه الرواية الصحيحة، وقد فسَّرها أبن مسعود رضي الله عنه فقال: ((الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك، فإنك حين إذ الجماعة)) .....