
فإذا نظر إليهم بالله، عز وجل، وبقوته وتدبيره: فمما يعجب?.
وبالله التوفيق.
مسألة تدل على ما ذكرنا، قلت : فما تقول في عبد كان لا يتكلم، ولا يتحرك، ولا يعمل عملا، إلا طولب عليه في ذلك ووجد النقصان ? ولحقته الفترة والقسوة في أوقات نيله وأكله وشربه، وكذلك في جميع أحواله، ثم صار إلى حال يتكلم ويتحرك في الأمور؛ ويقبض ويبسط، ويأكل ويشرب، ولا يستوحش، ولا يجد مطالبة، ولا يرى نقصا كما كان يراه قبل؟.
فقال : هذه مسألة حسنة فافهمها، فما أحوج المريدين العمال إليها.
اعلم إن المريد الطالب للصدق: فهو عامل في جميع أموره بالمراقبة لله، عز وجل: بالقيام على قلبه، وهمه وجوارحه، بالمحاسبة:
فهو : جامع لهمه حذرا من أن يدخل في همه ما لا يعنيه، حذرا من الغفلة.
فالحركات، في ظاهر جوارحه بجوارحه: تنقصه، والهمم الداخلة عليه في قلبه: تكدر همه، فهو عند ذلك يتفرغ من الحركات التي ذكرت، وإن كانت في حق وبحق، وذلك لما غلب على قلبه: من محبته: أن يكون ذكره: دائما، وهمه: واحدا.
فإذا دام على ذلك : تفطن قلبه، وصفت فكرته، وسكن النور قلبه وقرب من الله تعالى، فغلب على قلبه وهمه!.
فعند ذلك : يتكلم، والقلب يغلي بالذكر لله، عز وجل وقد كمنت في سويداء2 قلبه. محبة الله تعالى، فهي لازمة للضمير لا تفارقه.
فمن شأنه في سرائره: أن يكون ناعما بالمخاطبة لله الخفية، والمطالعة الشجية والمحادثة الشهية.
وهكذا يكون في أكله، وشربه، ونومه، وكل حركاته، لأن قرب الله تعالى، إذا تمكن في قلب العبد: غلب على ما سواه : من باطن عوارض الهمم، وظاهر حركات الجوارح، فعندها يكون العبد ذاهبا وجائيا، وآخذا ومعطيا، والغالب عليه هم ما قد ملك ضميره من محبة الله عز وجل وقربه.
ألم تر نفسك، أيها المريد: كيف تملك قلبك أحيانا هم من أمر الدنيا، فيسلبك عن كل شيء، حتى يكدر عليك العيش، فتكون ساهيا إلا عن ذلك، حتى تفقد النوم?!.