 وعلى حسب ذلك كا ن صلى الله عليه وسلم وكذلك العارف بالله، القريب من الأشياء، الموفق في كل حال يحل فيها بما يكون فيها : بخلاف غيره من لناس. ثم على هذا القياس، وفي هذا بلاغ لمن فهم وتدبر. وبالله التوفيق. قلت : متى يألف العبد أحكام مولاه، ويسكن في تدبيره واختياره?. قال : الناس في هذا: على مقامين، فافهم: فمن كان منهم: إنما يألف أحكام مولاه، ليقوم بأمره الذي يوصله إلى ثوابه، فذلك حسن، وفيه خير كبير، إلا أن صاحبه: يقوم ويقع، ويصبر مرة ويجزع أخرى، ويرضى ويسخط، ويعبر ويراجع الأمر، فذلك: يؤديه إلى ثواب الله ورحمته، إلا أنه معنى في شدة ومكابدة. وإنما يألف العبد أحكام مولاه، ويستعذب بلواه، ويسكن في حسن تدبيره واختياره بالكلية بلا تلكؤ من نفسه: إذا كان العبد: آلفا لمولاه ولذكره، وهو له محب واد، وبه راض، وعنه راض. فهل يكون، أيها السائل، على المحب مؤونة فيما حكم عليه محبوبه ? كيف? وإنما يتلقى ذلك بالسرور والنعيم!!. هكذا قال في الخبر : حتى يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة. وقال في خبر آخر : غنية الصديقين : ما زوي عنهم من الدنيا. وروي عن الله، عز وجل، في بعض ما أنزل من كتبه: أنه قال: «معشر المتوجهين إلي بحبي، ما يضركم ما نابكم من الدنيا، إذا كنت لكم حصنا، وما يضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلما؟!» . فمن كان مع الله، عز وجل، بهذه الأحوال في المواطن، كيف يكون إلا على نحو ما ذكرناه!!. ولقد قال بعض العلماء بالله تعالى، وأهل القرب منه : إن القوم الذين ذكرنا بعض أحوالهم : لا يرضون من أنفسهم أن تكون تقاوم الأمور عند حلولها، والأحداث عند نوازلها، حتى تتمكن من قلوبهم، فيحتاجون أن يصبروا عليها أو يرضوا بها، بل الصبر والرضا لهم: تابع مضاف، لأنهم طالبوا من أنفسهم: صحة الشغل بالله تعالى،
كتاب الصدق · الصفحة ٧٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
كتاب الصدقص ٧٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي