 تعرفه، وذكرك قبل أن تذكره، وأحبك قبل أن تحبه، فهاج منك الآن، الشكر له على أياديه، فألزمت قلبك المحبة على أياديه، فآثرته، وارتاحت روحك إليه، فألفت قربه، فصرت الآن إليه تأوي، وفي قربه تسكن، فهو لا يغيب عنك ولا تفقده، ذاهبا وجائيا، وقائما وقاعدآ، ويقظانا وراقدا، وعلى كل حال.
أما سمعت ما يذكر عن النبيصلي صلى الله عليه وسلم، حين يقول:
«تنام عيناي ولا ينام قلبي»1.
وكذلك المؤمنون على أقدارهم.
فما أعظم شأنك أيها العبد وأجل خطبك، إذ كان السيد الكريم الكبير المتعال الغني الحميد، ذكرك ذكرا بعد ذكر، فخصك، فأجزل لك العطية، إذ دلك على محبته فآثرته، فكان هو بغيتك ومرادك، ومنتهى رغبتك، وليس منك شيء تملكه للعباد، ولكنها: موهبة، وهي : أول أعلام الوصول إلى الراحة: يكون الله: مراد العباد لا غيره.
ومن علامة ذلك : أن يكون هو الحافظ عليك، ما استودع قلبك من ذكره ومودته، وأوجدك من قربه، وتعطف عليك ببره، فسامحك الآن، فسقطت عنك حركات الطلب للظفر أو التقرب، إلا حركة تهيج منك الآن: شكرا له على أياديه، وإيجابا لحقه وألفة له غيره، والتنعم بمناجاته، ولذة خدمته، وما أراد فيك: من تعبدة بمشيئته، ليريك موضع قذرته، واختلاف أحكامه عليك لتفقه عنه، وأنت في ذلك: واجد لقربه، وغير متشاغل بحركاتك، ولا طالب منه عليها جزاء وثوابا، كما أراد العباد الزهاد، ولكن تعمل لله تعالى، حبا وكرما، لأنه خلقك كرما، واشتعملت بأخلاق الݣرماء.
وبالله التوفيق:
وهذا الآن : جواب لك آخر، على مسألتك، حين قلت : هل يصير العبد إلى حال يفقد مطالبة الصدق من نفسه ? وهي علامة الواصلين، فافهمها.
أما علمت، أيها المريد: أن الورع والزهد، والصبر، والتوكل، والخوف، والرجاء، والمراقبة، والحياء، والمحبة، والشوق، والأنس، والصدق في المواطن،