
69
وقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه : طوبى لمن مات في النأناة بدء الإسلام وشرته.
ويروى في الحديث : إن الله، عز وجل، يأمر جبريل، عليه السلام، فيقول: اقبض علاوة الطاعة من قلب عبدي، فإن تأسف عليها فردها عليه وزده، وإلا فدعه!
ويروى في حديث آخر : إن الله، عز وجل، يقول: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا كن إلى الدنيا : أن أنزع حلاوة مناجاته إياي من صدره، وأن أدعه في الدنيا حيران.
وفي خبر آخر : إن العبد إذا ركن إلى الدنيا، بعد العلم والمعرفة، والعلم بالبصيرة، يقول الله، عز وجل، لجبريل عليه السلام: أنزع حلاوة مناجاته إياي من صدره، وأعطه من الدنيا مقصما يشتغل به عني.
أما العبد الثاني : فإنه يبدأ بالصدق، والأعمال الصالحة؛ وأخلاق الصدق، ثم يعمل في ذلك ما شاء الله، عز وجل، فتأتيه الكرامة بعد ذلك، فيعطيه الله تعالى، ما لم يرجه ويحتسبه :
وهكذا عامة البدلاء: لا تأتيهم الآيات والكرامات إلا من بعد العمل وبذل الجهد، وأكثر ما لم يحتسبوا: ما أتاهم الله تعالى، به، حين بدأهم الله، عز وجل به.
ومنهم: من اطلع على القوم وقيل له : إنك منهم، فعمل بعد أن أخبر بذلك.
ومنهم: من يعرف نفسه ولا يعرف غيره.
ومنهم : من يعرف الجميع بأسمائهم وقبائلهم.
فإن كنت، أيها السائل عن الصدق وشرح الطريق: قد عملت في الصدق ما كرته لك من العلم، وباشرت هذه المنازل، ونزلت هذه المراحل، وقطعت هذه الأسباب التي ذكرناها، فأفضيت منها إلى الراحة والسكون والطمأنينة، فأنت محاط بالعصمة، وماض على سبيل الاستقامة والمحجة البيضاء، التي توردك على الله، عز وجل، فهنيئا لك، وبارك الله فيك، فأنت من أمرك على بصيرة.
فإن كنت : قد باشرت الصدق، وعملت في كل مقام البر بقدر طاقتك وما أذن الله تعالى، لك، وعاينت الأمور، فعسى أن يكون الله قد رآك، وقد أبليت فيما بينك وبينه، عذرا لرغبتك في التقرب إليه، فصح إليه افتقارك، حين علمت أنه لا بد لك منه؛ فألقيت كنفك بين يديه، فعسى أن يكون قد رآك في بعض الأوقات إليه قاصدا راغبا، بنية صحيحة وعزم صادق، علم أنك: لا تمل ولا تبرح من التعرض له دون بلوغ مناك، فجاد لك ببره، وأعطاك بعض الأمل منه، بل جذب قلبك إليه جذبة،