 قلت : فمن قال؛ أتوكل على الله لأثفى? قال : لا يخلو هذا القول من معنيين : معنى : أن يكفيه مؤنة الجزع والهلع، لا أنه يتحول عنه شيء قد قدره الله عليه أن ينزل به، بالتوكل. فهذا : قولنا وقول من أثبت القدر. ومن قال : إنه يكفيه ما استكفاه لا محالة مثل قوله : لا يأكلني السبع لتوكلي، والذي يأتيني بطلب يأتيني بلا طلب، فالتوكل يدفع عني إذا استكفيته كل مؤنة كنت أخافها، فليس يعجبنا هذا القول؛ لأن المتوكل: قد يكفى وقد لا يكفى وتوكله غير ناقص. قلت : مثل ماذا؟ اشرح لي من ذلك شيئا. قال : نعم، حيث ذبحت يحيى بن زكرياء : امرأة جبارة في طشت(1، ألم يكن متوكلا؟! وحين نشر زكرياء، صلوات الله عليه، بالمنشار ألم يكن متوكلا?! وكذلك الأنبياء؛ عليهم السلام، قتلوا ونيل منهم المكروه، وهم أقوى الخلق يقينا وأصدقه. وهذا محمده لى الله عليه وسلم، حين هرب إلى الغار هو وأبو بكر، رضي الله عنه، فاختبأوا يه، وحين كسر المشركون رباعيته لى الله عليه وسلم، وأدموا وجهه ألم يكن متوكلا ?. أفلا ترى أن التوكل إنما هو: الاعتماد على الله، عز وجل، والسكون إليه، ثم التسليم بعد ذلك لأمره، يفعل ما يشاء ? ! وهكذا: روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بلع أمره) قال: قاض أمره: (قد جعل الله لكل شى وقدرا) [الطلاق : 3]. قال : أجلا ومنتهى ينتهي إليه العبد، وليس المتوكل بالذي يقول: تقضى حاجتي . فهذا تفسير ابن مسعود، رضي الله عنه: يخبر أن المتوكل على الله: هو الذي يلجأ إلى الله، تعالى، ويعلم: أنه لا يتم شيء إلا من قبل الله، تعالى، الذي يعطي ويمنع بقدرته .
كتاب الصدق · الصفحة ٤٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
كتاب الصدقص ٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي