( ادعوني ) : أي دعاء تعبدوني به ويقربكم إليّ ، ومن ثم يستجيب الله - سبحانه وتعالى - لداعيه ، ومن ثم قال الله عز وجل بعد ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ ، فسمى الدعاء عبادة لأن قوله ( عبادتي ) يرجع على الدعاء ، فسمى الدعاء عبادة ، وهذا يتفق مع الحديث السابق ، وهو حديث ( الدعاء هو العبادة ) الذي ذكر المصنف رواية له ، وهي ( الدعاء مخ العبادة ) .
فقول المصنف ـ يرحمه الله ـ وفي الحديث ( الدعاء مخ العبادة ) . والدليل قوله تعالى ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) في هذين النصين دلالة على عبادة الدعاء ، وأما الآيتان السابقتان لهذين النصين فيسوغ سحب دلالتهما على معنى الدعاء ، وهذا ظاهر ، إلا أن المصنف يرحمه الله لم يرد منها الاستدلال بهما على عبادة الدعاء ، وإنما عنى بالنصين الأخيرين الحديث والآية ذلك ، وأما الآيتان السابقتان فإنهما دليلان على ما قرره المصنف من قوله : ( فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر ) .
وفي قوله ( وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها ) وسبق وجه دلالة قول الله تعالى : ﴿ وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً ﴾ .
وأما قوله سبحانه ﴿ ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به ﴾ قوله : ( لا برهان له به ) البرهان في اللغة ، هو الحجة ، والمقصود به هنا كما قرره أئمة التفسير أي : الحجة المنتصر لها ، أو التي يسعى صاحبها لتقريرها ، وليس المعنى أن من دعى غير الله وعنده برهان به جاز أن يعبد غير الله مشركاً مع الله إلهاً آخر ، وإنما المقصود أن هؤلاء الذين يعبدون مع الله آلهةً أخرى ، أن هذه الآلهة الأخرى لا برهان لها .
والبرهان عند إطلاقه يأتي على وجهين :-
أما الوجه الأول : فهو أن يكون حجة سواء أكانت الحجة صحيحة أم لا.