قال : ( وأنا واحد من ذلك العالم ) ذلك العالم إشارة إلى ما ذكره من تفسير للعالمين ، ومن ثم فإن العبد إذا أقر بذلك أقر بربوبية الله - سبحانه وتعالى - فإذا أقر بربوبية الله وجب عليه أن يوحد الله في العبادة فلا يعبد مع الله أو من دونه أحداً ، وذلك أن الناس في جملتهم حتى فرعون كان مقراً بربوبية الله ، كان الجميع مقراً بهذه الحقيقة ومن ثم استدل على توحيد العبادة والإلهية بتوحيد الربوبية وليعلم أن أهل الحق يستدلون بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية بنحو ما ذكر المصنف يرحمه الله خلافاً لمن خالفهم فجعلوا توحيد الربوبية هو مقصد الرسل والرسالات ، وهذا غلط ، وممن وقع في هذا الغلط الأشاعرة والماتوريدية وغيرهم .
ثم قال المصنف ـ يرحمه الله ـ ( فإن قيل لك بم عرفت ربك ؟ فقل بآياته ومخلوقاته …) . إلى آخره : نوعُ أخذٍ بالأولويات المنطقية في تقرير الحجة والتعليم ؛ لأن المصنف ـ يرحمه الله ـ قرر أول ما قرر الأصول الثلاثة ، ثم أخذ في شرحها فلما أخذ في التبيين والشرح جعل ذلك على نحو تدريج وتعليم حسن ، فبين أول ما بين قوله : ( فإذا قيل لك من ربك ) وهذا سؤال بديهي يأتي على الإنسان ، فكان الجواب مطابقاً لهذا السؤال ، ثم أردف بعده بقوله : ( فإن قيل لك بم عرفت ربك ) وهذه المعرفة تأتي بعد تحقيق الإيمان والمعرفة الأولى بالله - سبحانه وتعالى - ولذلك قال : ( بم عرفت ربك ؟ ) قال : ( فقل : بآياته ومخلوقاته ) حرف الباء في كلمة ( بآياته ) هو للسببية فيكون المعنى : سبب معرفة الله هو آياته ومخلوقاته فالسبب الذي جعلني أعرف الله سبحانه وتعالى هي هذه الآيات المشاهدة أو هذه المخلوقات المشاهدة أيضاً .
( بآياته ومخلوقاته ):جمعٌ بين كلمتين ، أما الأولى فالآيات وأما الثانية فالمخلوقات .