وأما الدلالة الثالثة : فهي ما قرره النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن التوحيد مُنجٍ لصاحبه وإن دخل النار خلافاً للشرك فلا يُنجي صاحبه ولو عمل من الطاعات ما عمل ولو عمل من الخيرات ما عدّه الناس خيرا ما عمل ، أما التوحيد ولو كان مثقال ذرة منه أو حبة خردل منه فإنه ينجي صاحبه وإن لقي من العذاب ما لقي . فهذه ثلاث دلالات دالات على عظيم منزلة التوحيد وعلى عظم وخطر الشرك بالله - سبحانه وتعالى - .
ثم قال المصنف - يرحمه الله -: والدليل قوله تعالى : ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ في هذه الآية جمعٌ بين الأمر بالتوحيد في العبادة والنهي عن الشرك بالله - سبحانه وتعالى - ، فهي من ضمن الآيات الجامعات للأمر بالتوحيد والنهي عن ضده .
( واعبدوا الله ) : أمر ، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف على القول المختار عند الأصوليين ولا صارف للأمر هنا فيدل على وجوبه وفرضيته ولزومه وتعينهِ ، والخطاب هنا موجه إلى المكلفين ، وإلى الإنس والجن أجمعين فعبادة الله واجبة .
( ولا تشركوا به ) : نهيٌ عن الشرك ، وسبق أن الفعل المضارع إذا تَسلَّط النهي عليه فإن الفعل المضارع فيه مصدر من لفظه مستَكِنٌّ فيه ، فيكون المعنى : ولا تشركوا به أيَّ شرك ، أيْ : أيّ نوع من أنواع الشرك سواء أكان شركاً أكبر أم كان شركاً أصغر، وسواء أكان شركاً جلياً أم كان شركاً خفياً ، فإن ذلك لا يجوز .
( شيئاً ) : وهي نكرة في سياق النهي ،والنكرة إذا أتت في سياق النهي تفيد العموم كما قرره جماعة من الأصوليين . أي : لا تشرك مع الله أي مشرَك سواء أكان ملكاً مقرباً أم نبياً مرسلاً ، أم جماداً ، أم غيره ، وسبق هذا المعنى في دَرْجِ حديث سابق .