وأما الدلالة الثانية : فدلالة إجماع أهل السنة والأثر ، حيث أجمعوا أن العُصاة في النار ، وأن أصحاب الطاعات والخير في الجنة ، وهذا الإجماع إجماع مجُمل مبهم ، وقد نقله جماعة ، ومن أولئك الطبري في (( تفسيره )) و (( عقيدته )) ، وكذلك البربهاري في (( شرح السنة )) وغيرهما ـ رحمهما الله تعالى ـ .
ثم ليعلم أن دخول الطائعين إلى جنة رب العالمين على جهتين :-
أما الجهة الأولى : فهو دخول من أول وهلة ، دون أن يُسبق دخولهم بعذاب ، ومن أمثلة ذلك السبعون ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، كما جاء حديثهم صحيحاً .
وأما الجهة الثانية : فهو دخول ولكن بعد أمد ، أي بعد سَبْق عذاب عليهم ، ثم يكون مآلهم إلى الجنة ، وهؤلاء الصنف هم أهل الطاعة ، وأول الطاعات وأعظمها هو توحيد الله سبحانه وتعالى .
فالموحدون دخولهم للجنة إما أن يكون من أول وهلة ، وإما أن يكون بعد سَبْق عذاب ، لكن يكون مآلهم إلى الجنة .
وأما العُصاة فإنهم يدخلون النار ، والعُصاة صنفان :-
أما الصنف الأول : فأهل كفر وإلحاد ، خرجوا عن ملة الإسلام ، فهؤلاء في النار خالدين فيها .
وأما الصنف الآخر : فهم أهل توحيد ، أو الذين في قلوبهم مثقال حبة خردل من إيمان ، فهؤلاء مآلهم إلى الجنة ، وإن بقوا في النار أمداً .
فيتلخص مما سبق أن أهل الطاعة مآلهم إلى الجنة ، وسيدخلون الجنة ولا بد ، فمِن داخل من أول وهلة ، ومِن متأخر عن أولئك .
وأن أهل المعصية منهم الكافر ، ومنهم المسلم المؤمن ، فإذا كان مسلماً عُذب وكان مآله إلى الجنة ، وإن كان كافراً أدخل النار وكان خالداً فيها .
فيحمل قول المصنف ـ يرحمه الله ـ ( فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار ) على المعنى السابق ، وهو ما دلت عليه الدلائل والأدلة .