وأما المعنى الثالث : فهو تدبير الله تعالى لخلقه ، وهو الذي عبَّر عنه المصنف ـ يرحمه الله ـ بقوله : ( ولم يتركنا هملاً ) فإن هذه الجملة معناها أن الله - سبحانه وتعالى - قد دبَّر خلقه، فلم يتركهم سُدى ، ولم يتركهم هملاً ، وقوله ( هملاً ) معناه سُدى وعبثاً . والهَمَل والسدى والعبث بمعنى واحد ، فيكون المعنى أن الله - سبحانه وتعالى - لم يترك خلقه بعد خلقهم دون تدبير ، ولم يتركهم هملاً عبثاً لا يؤمرون ولا ينهون ، وهذا المعنى هو الذي قضى به أئمة التفسير وأهل المعرفة ، ومن أولئك ابن عباس رضي الله عنهما ، كما أسنده عنه جماعة ، ومن أولئك الطبري رحمه الله في (( تفسيره )) .
ولا ريب أن الله - سبحانه وتعالى - قد دبر الخلق فأمرهم ونهاهم ، أمرهم بالخيرات ونهاهم عما يفسد آخرتهم أو دنياهم ، ولم يَشْرَع الله - سبحانه وتعالى - إلا شرعاً يحفظ لهم ما به يحفظون في أخراهم ودنياهم ، ومن ذلك حفظ دينهم ، وحفظ عقولهم ، وحفظ أموالهم ، وحفظ نسلهم وأعراضهم ، فهذه معان داخلة ضمن ما به يحفظون ، فلم يأت الشرع إلا على هذا المنوال .
وقد دلت الدلائل الكثيرة المستفيضة على كون الله قد دبر الخلق ولم يتركهم عبثاً سدى هملاً ، وحاصلها دلالتان:-
أما الدلالة الأولى : فدلالة الخبر السمعي من كتاب وسنة ، ومن ذلك قول الحق سبحانه ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ﴾ ، أي : هملاً وسدى لا تؤمرون ولا تنهون ، كما قاله مجاهد ومقاتل وقتادة ، وجماعة من السلف فيما أخرجه عنهم الطبري ـ رحمه الله ـ في (( تفسيره )) ، وجماعة .
أما الدلالة الثانية : فدلالة الإجماع ، حيث أجمع أهل العلم والأثر على أن الخلق لم يتركوا سدى هملاً ، وإنما أمروا ونهوا ، وجاء ذلك مع الرسل والكتب ، فعرفوا ما أمروا به ودروا ما نهوا عنه .
ثم قال المصنف رحمه الله ( بل أرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار )