المقصود هنا هو قول الله سبحانه وتعالى ( والنبيين مع بعده ) فالضمير في كلمة (بعده) يعود على نوح ، فجعل الأنبياء بعد نوح ، فإذا جعل الأنبياء بعد نوح فإن معناه أنه هو المقدم الأول .
وليُعلَم أن آدم عليه السلام هو أبو البشر ، وجميع الآدميين من نسله وقد اتفق أهل التواريخ والسير وأهل العقائد من أهل السنة على أن آدم يوحى إليه ، وإذا كان يوحى إليه فهو ينبأ ؛ لأن من يأتيه الوحي فهو نبي أو منبأً به ، ثم اختلف هل آدم رسول أم لا ؟ على ما سبق الإشارة إليه.
ثم قال المصنف - يرحمه الله - ( وكل أمة بعث الله إليهم رسولاً …) إلى آخر الكتاب ، في هذه الفقرة بين المصنف ـ يرحمه الله ـ جملة مسائل :-
المسألة الأولى : قوله : ( وكل أمة بعث الله إليها رسولا من نوح إلى محمد ).
ودل على صحة هذا دلالتان:
الدلالة الأولى : الخبر ، وقد ذكر المصنف -يرحمه الله - شيئاً منه وذلك بقوله بعدُ ( والدليل قوله تعالى ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ فقوله ( أمة ) نكرة ثم قال ( رسولاً ) ليُنَكّرَ ذلك فيعم ، أي فيشمل جميع الأمم التي كانت ، فكل أمة قد بعث الله سبحانه وتعالى فيها رسولاً .
وأما الدلالة الثانية : فالإجماع كما ذكره ابن قيم الجوزية0 ـ يرحمه الله ـ في (( طريق الهجرتين )) وكذا غيره.
( أمة ) : الأمة هي الجيل أو الجماعة من الناس ، على ما ذُكر في المعاجم .
وأما المسألة الثانية : فقوله ( يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت ) وفيه أن الأنبياء المرسلين يدعون أممهم إلى التوحيد وينهونهم عن الشرك وهي دعوة الرسل ، وسبق تقرير ذلك مراراً ، واستدل المصنف ـ يرحمه الله ـ على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ ففي قوله ( أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) دلالة على المسألة .