وأما الاحتمال الثاني : فهو أن يقصد بقوله -رحمه الله - ( مجزيون ) التأكيد على قوله السابق ( محاسبون ) فيكون الجزاء بمعنى الحساب .
وفرق بين الجزاء الأول وهو الاحتمال الأظهر ، وبين الجزاء الثاني المرادف للمحاسبة من حيث المراد لا من حيث المعنى اللغوي ، فإن أُريد بالجزاء الحساب كان من باب التأكيد على ما سبق ، والأصل ( أن الواو العاطفة تقتضي المغايرة ) فيقال الجزاء في قول المصنف ( ومجزيون ) يغاير الحساب في قول المصنف ( محاسبون ) .
قال المصنف – يرحمه الله – ( والدليل قوله تعالى: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا …. ﴾ الآية )
استدل المصنف ـ يرحمه الله ـ على صحة ما ذكر بجملة أدلة :ـ
أولها : قول الله تعالى ﴿ ولله ما في السماوات وما في الأرض .. ﴾ الآية ، ومحل الشاهد منها هو قوله سبحانه ﴿ ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى ﴾ ففيه معنى الجزاء وهذا على المعنى الأول الأظهر وهو أن الجزاء خلاف الحساب .
وأما الثاني : فقول الله تعالى : ﴿ زعم الذي كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ﴾ الآية . ومحل الشاهد منها : هو قول الله ( ثم لتُنَبَئُن بما عملتم ) ، وذلك فيه معنى الحساب ، أي أن الله - سبحانه وتعالى - قد عدّ على الخلق أعمالهم وسيخبرهم بها عند قدومهم عليه - سبحانه وتعالى - ودلالة الآية الأولى على الجزاء ظاهرة بالمعنى الظاهر السابق ، وهو أن يجازي كل بحسب عمله ، إما أن يكون في النار وإما أن يكون في دار الأبرار. ودلالة الآية الثانية على الحساب ظاهرة ، لأن الحساب فيه معنى العد ، وهذا المعنى موجود في تنبيئ الغير بما عمل ولا يكون ذلك إلا بعد إحصائه وعدّه .