المرء في زمن الإقبال كالشجرة
والناس من حولها ما دامت الثمرة
حتى إذا ما انقضت أيام مدتها
تفرقوا وأرادوا غيرها شجرة
ولا يزداد المرء إيقان، إلا بالتجريب والامتحان.
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
فاتعظ أيها الحليم، بنصح مجرب حكيم.
إذا أنت فتشت القلوب وجدتها
قلوب أعاد في جسوم أصادق
حليم (غاضبا) :
ما هذا الحمق الشديد، والنصح الذي لا يفيد؟ أترغب أن أعيش وحشيا يا لئيم، بلا خليل ولا نديم؟
ناصر :
أما سمعت يا حميد الصفات، ما قاله صاحب المقامات:
ونديم محضته صدق ودي
إذ توهمته صديقا حميما
ثم أوليته قطيعة قال
حين ألفيته عدوا ذميما
خلته قبل أن أجرب إلفا
ذا ذمام فبان جلفا ذميما
وتخيرته كليما فأمسى
منه قلبي بما جناه كليما
وأنا يا مولاي ما قلت بعدم صنع الجميل، لا بل أقر بأنه لازم وجليل، وعلى كل افعل ما بدا لك، نجح الله أمورك وأفعالك، ولكن:
الرأي عندي أن تكون على حذر
من غادر كي لا تهان إذا غدر
أحليم كن متيقظا حتى إذا
وافى اللصوص تكون ليلا في سهر
إن نام غيرك آمنا لجميله
فاصح لكونك محسنا واجل النظر
احذر وكن مستيقظا لا سيما
إن تم فعلك بالجميل هنا الخطر
أوما ترى أن الكسوف أوانه
لما يتم النور في كرة القمر؟
فاحفظ كلامي كله كي لا تقو
ل رميت سهمي إنما انقطع الوتر
فهناك تغدو نادما متحيرا
بين الأنام وعبرة لمن اعتبر
حليم :
وإن كان يا ناصر كلامك مرصعا بجواهر الصواب، فلا يمكن أن أقبله؛ حيث إني في مودة غادر بعيد عن الارتياب؛ لأني منذ عرفته إلى اليوم، لم أر منه ما يوجب اللوم، وكان من الواجب أن أتبع رأيك وأكون منه على حذر، ولكن قلبي لا يطاوعني أن أسمع بغادر كلام أحد من البشر؟!
ناصر (في نفسه) :
يا لله أنصحه فيناقض، وأرشده فيعارض، ونتيجة قوله لنصحي المفتخر، ألا يسمع بغادر كلام أحد من البشر. (لحليم) : والله إن غادرا لذميم، وشيطان رجيم؛ كثير الوسواس، خئون خناس، قليل الأمانة، مصدر الخيانة، ذو مضرة ورياء، ومخاصمة ومراء، أخلاقه ذميمة، وأوصافه مشومة، خبيث الطوية، وحركاته شيطانية، كالنار في الإحراق، وإبليس في الشقاق؛ وحيث إني ألمعي الفراسة، وماهر في السياسة، أقول إن غادرا لغادر، وماكر فاجر، ولو لم يكن مستحقا لما كان عليه، لما أوصل الله تلك الإهانة إليه، حليم حليم، مولانا حليم، أتريد أن تسعد من أشقاه الله، وتقرب من طرده وأقصاه؟ كلا، كلا.
إذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل
فخاب الذي ربى وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر
وموسى الذي رباه فرعون مرسل
فلا تحصل يا سيدي من صحبة غادر على السلامة، ولا بد ما تقع في الحسرة والندامة؛ حيث إنه خال من الصفات الحميدة، والشمائل السعيدة، قبيح الفعل، رديء الأصل.
هيهات تجني سكرا من حنظل
فالشيء يرجع بالمذاق لأصله
حليم (غاضبا) :
قد خرجت يا ناصر عن حد الاحتشام، ودخلت فيما لا يعينك بالتأنيب والملام، فأنا عن محبة غادر لا أحيد، ولو ألقيت في العذاب الشديد، فاغرب عن وجهي يا بغيض، وأرحني من كلامك الطويل العريض.
ناصر (وهو ذاهب) :
إذا المرء لم يعرف مصالح نفسه
ولم يك يوما للأخلاء يسمع
فلا ترج منه الرشد واتركه إنه
بأيدي صروف النائبات سيوقع
حليم :
أف لك من نصوح ذميم، وحاسد لئيم، أهكذا يفعل الحسد؟ تحصنت بالواحد الصمد، ظاهر كلامه نصيحة وبر، وباطنه حسد وشر؛ حيث إني أعرف من ذاته، ومطلع على جميع حركاته.
وإني بلوت الناس أطلب منهمو
أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
فلم أر فيما ساءني غير شامت
ولم أر فيما سرني غير حاسد
يرغب ذلك الوسواس الخناس، أن أقطع علاقتي من حب جميع الناس، وأعامل كلا من الخلان بالصد والجفا، والعداوة، وأقتصر على ذاته الشريفة، وأخلاقه اللطيفة، وما فعل غادر معه من الأضرار، حتى أصر على بغضه هذا الإصرار، فأنا منذ عرفته ما عاملته بغير الإحسان، ولا أظهرت له غير الحب بالقلب واللسان، وذاته الردية، وخلاله الشيطانية، يأبيان فعل الخير، ويرغبان كل شر وضير، بلا سبب يوجب، ولا ذنب يغضب.