ناصر :
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم
إذا كانت الأخلاق غير حسان؟
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى
فما كل مصقول الحديد يماني
ما هذا التغفل الظاهر ، الذي لا يستحسنه عاقل ولا فاجر؟
إن ود الناس أضحى
لنفاق أو لعله
فاهجر الأصحاب إلا
صاحبا يصحب لله
انتبه يا بني من هذه الغفلة، وانشل نفسك من ورطة هذه الهفوة، واقبل يا معدن اللطائف؛ نصيحة مجرب عارف، قد أنحله الزمان، وأفنته غوائل الحدثان، وعرفته الصالح والطالح، والزائغ والناصح، والخاسر والرابح، والهالك والناجح، وأرته الشدة والرخاء، والعافية والضراء، والعسر واليسر، والسعة والفقر، والتفريج والضيق، والعدو والصديق.
وكنت إذا الصديق أراد قهري
وأشرقني على ظمأ بريق
غفرت ذنوبه وكظمت غيظي
مخافة أن أعيش بلا صديق
ولكن ما أجداني ذلك نفعا، وما زادني إلا حطة ووضعا، وذلك عند الامتحان، وانقلاب الزمان، ميزت الصدق من المين، واتضح الصبح لكل ذي عينين، وملني الأهل والأصحاب، وتغلقت في وجهي جميع الأبواب، إلا باب العظيم، الرءوف الرحيم، الذي لا يخيب من دعاه، ولا يحرم من استجداه، فإياك يا ابني إياك، من صحبة كل منافق أفاك.
إياك تغتر أو تخدعك بارقة
من ذي خداع يري بشرا وألطافا
فلو قلبت جميع الأرض قاطبة
فلا أخا يبذل الإنصاف إن صافى
حليم :
قد أطلت يا ناصر الكلام، وأسهبت بالتقريع والملام.
ناصر :
لا أيها الحليم، والزاهر الوسيم، أنا ما أطلت الكلام، ولا أسهبت بالملام، بل ما قلته هو الحق، والعدل والصدق، وأكرر النصح والمقال، وإن ألقيته في زوايا الإهمال، إنك لست من صحبة غادر على طائل، ولو كان والله سحبان وائل؛ لأن أفكاري ما استحسنت صداقته، ولا استطابت مرافقته، وما أراه إلا كذابا خداع، خلابا لذاع، ذا شقاوة ومرية، وعداوة وفرية، ظاهره سرور، وباطنه شرور.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
حليم :
إن الجلي على الخفي دليل
ومن الفؤاد إلى الفؤاد سبيل
لا تحسبن بغادر غدرا فما
لصفاء نيته أخي مثيل (ينشد):
إظهار ما تخفي الصدور
قد خص بالمولى القدير
إن رمت إدراك الأمور
فمن الظواهر كن بصير
في كل حال يا شكور
سلمت أمري اليوم لك
فبأمرك السامي يدور
ما في البسيطة والفلك
ناصر :
آه يا مولاي حليم، والله إنك مع غادر على خطر جسيم، ولا بد ما يدس لك السم في الدسم، فتندم حيث لا ينفعك الندم، ولا يفيد التلافي بعد التلاف، ولا يرد السهم في القوس وقد خرق الشفاف؛ حيث إني درست السياسة على أعظم شيخ وهو الزمان، ومارست ما شان وما زان، وأنت شاب غرير، وبعواقب الأمور ليست بخبير، لا مارست الخلق، ولا ميزت بين الصدق من ذوي الملق، ولا خبرت ولا سبرت، ولا سمعت ولا نظرت، بل نشأت في ظلال النعيم، واستهلال ظهورك صحبة غادر اللئيم، فاستخلصته لنفسك، وجعلته ريحانة أنسك، وشاركته في النسب والمال، وما فكرت في العاقبة والحال، وفعلت فعلا لا يرضاه عاقل، ولا يقرك عليه جاهل.
حليم (غاضبا) :
قد تجاوزت الحد يا ناصر، وأسرفت في ذم غادر، أما علمت أن الأخ الصلبي ربما يضرك، وأما الصديق الصالح فإنه أبدا يسرك، والصاحب الشفيق، خير من الأخ الشقيق، وأنا ما اتخذت غادرا لا لشدة ولا لرخاء، بل ما فعلته معه ما هو إلا من باب المروءة والسخاء، وأنت ما نقص عليك من محبتي لغادر؟
ناصر (مبتسما) :
أنا أيها المحسن الباهر ما نقص علي شيء من المراسيم، وما فقد مني شيء مما أسديته إلي من النعيم، وإنما نظرا لما لك من الإحسان، يجب أن أحذرك من نوائب الزمان، ولا تظن ما قلته لك هو ناشئ عن خبث طوية، لا بل هو من خلوص السريرة وصفاء النية، وحيث إني رأيت الزمان حقود، والصاحب أول ناكث للعهود، فقد أخبرتك، وحذرتك وأنذرتك، من غدر صاحب أن تختاره وهو يختار سواك، وأنت تفديه بنفسك وهو يود لك الهلاك، إن أعطيته حرمك، وإن رحمته ظلمك، تصعد به ظلال النعيم، وهو يهوي بك إلى حضيض الجحيم، تطعمه الشهد والحلاوة، وهو يسعى بينك وبين الناس بالعداوة، وما ذلك إلا لنفعه وضرك، وخيره وشرك، يدنس ويدلس، ويوسوس ويهوس، ويروج الباطل، ويحلي العاطل، لا يستحسن الترف، ولا ينظر إلى الشرف، بل يجد في منفعته الخصوصية، بقطع النظر عن الجهة والحيثية، ومتى ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، يتضح للإنسان حقيقة الحال، ويتذكر قول من قال: