تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لسع العقارب لم يكن لعداوة

لكن لخبث تقتضيه ذواتها

ولكن خاب أمله، وفسد عمله، وأنا وعزة ربي القادر، لا أميل عن محبة غادر، وأكتفي منه بالوداد، عن محبة جميع العباد.

وإذا تألفت القلوب لبعضها

فالناس تضرب في حديد بارد

وإذا صفا لك من زمانك واحد

فهو المراد فعش بذاك الواحد

ولكن قد أبطأ غادر، هل أبي ليس بحاضر؟ يلزم أن أستحضره قبل فوات الفرص، وأستحضر كل ما يلزمنا للصيد والقنص. (يخرج.)

المنظر الثالث (غادر ثم حليم)

غادر (يدخل) :

قد استحضرت على ما يلزمنا للذهاب، لكن ما لي أرى حليما ذاهبا من هذا الباب؟ آه، إن بلاء الإنسان عظيم، وخصوصا إذا عاش في ظل وغد مثل حليم، نعم، إنه داواني وآواني، وأطعمني وسقاني، وشاركني في نعمة أبيه، وجعلني أعز من أخيه، وكفاني جميع الأحزان والآلام، وغمرني بمزيد الإنعام، ولكن أرى ذاتي أن أمجده وأعظمه، وأبجله وأفخمه، شكرا له على إنعامه، وجزيل إكرامه، ومن يحتمل هكذا تحقير، ويكابد من الذل عذاب السعير.

لا تسقني كأس الحياة بذلة

وأدر بعز لي كئوس الحنظل

كأس الحياة بذلة كجهنم

وجهنم في العز أفخر منزل

فلا بد أن أقتله في وقت مناسب، وأسلم به من غوائل العواقب، وإذا سمحت الفرصة أقتل أباه، وأصير وزيرا عوضه بلا اشتباه، وحينئذ أعيش بالصفاء والهناء، آمنا من كل إهانة وعناء؛ ولذلك القصد قد أحضرت هذا الخنجر؛ لأذيقه من حده الموت الأحمر، ولكن يلزمني الآن أن أحدثه بالكلام اللطيف، وأخضع لأمره الشريف؛ كي لا يشعر بما تخفي الصدور، فأقع في البلاء والشرور، نعم هكذا أفعل، وعن هذا القصد لا أتحول.

أغشه اليوم في حلو الكلام عسى

أسقيه سما وأخفي السم في الدسم

وبعد هذا أحوز المال أجمعه. (يدخل حليم.)

أهلا وسهلا بفرد العرب والعجم

آنست عبدك يا محيي الفؤاد ومن

جمال طلعته كالبدر في الظلم

ما عشت أثني على علياك يا سندي

وبعد موتي إذا أمسيت كالرمم

حليم :

الله يبقيك يا ذخري ومعتمدي

مدى الزمان بأهنا العيش والنعم

فأنت روحي الذي حقا أعيش بها

وأنت ريحاني فاسلم لي وعش ودم

غادر :

قد استحضرت كل ما يلزمنا للذهاب، فهل تأمر أن نستدعي معنا أحد الأصحاب؟

حليم :

لا، نكون وحدنا فقط، ولكن ما قلت لأبي وأمي، ألم تنظرهما قط؟

غادر :

نعم، قد أخبرتهما بما تريد، فاستصوبا ما عزمت عليه أيها الحليم الفريد، وهذه أمك آتية مع أبيك، الله يحفظهما ويبقيك.

المنظر الرابع (المذكورون، الوزير، وزوجته هزار)

الوزير :

همة مباركة يا حليم.

حليم :

تكون مباركة بعنايتك أيها الوالد الكريم.

الوزير :

مع من عزمت أن تذهب للصيد يا ولدي الحبيب؟

حليم :

مع أخي غادر إلى هذا الحرش القريب.

الوزير :

لا بأس اذهب مع غادر، وعسى ينشرح منك الخاطر.

حليم :

سمعا وطاعة، وسنعود إن شاء الله بالسرور، مصطحبين معنا كثيرا من الطيور.

الوزير :

اذهبا بالأمان.

غادر :

حفظت يا مولاي مدى الزمان.

حليم (يقبل يدي والده) :

عن إذنك يا والدي الكريم.

الوزير :

سر محفوظا بعناية الرءوف الرحيم.

حليم (إلى أمه) :

عن إذنك يا أماه.

هزار :

سر محفوظا بعناية الله. (يخرج حليم وغادر.)

المنظر الخامس (الوزير وزوجته، ثم ناصر وحبيب)

الوزير :

الحمد لله المنعم العظيم، الذي جمع الأوصاف الحسنة بولدي حليم، فإنه جل علاه قد غرس في رياض قلبه روح التقوى والصلاح، وجعله منهلا صافيا يرده كل من يبتغي الفلاح والنجاح، وما ذلك إلا مجازاة لعمله العجيب، الذي أجراه مع غادر الغريب، إنه سبحانه وتعالى ينظر إلى حالة العبيد، ويجازي كل أحد بما شاء ويريد، وأنا أسأله أن يحفظ حياة ولدي، ويجعله عوني وعضدي، ويبقيه محبا لكل غريب وقريب، إنه السميع المجيب.

هزار :

مولاي لا أعلم لما خفق فؤادي عند ذهاب وحيدنا حليم، وهذا ضد العادة فأخشى عليه من خطر جسيم.

الوزير :

ما هذا المقال المريع، والكلام الفظيع؟ أما ذهب بصحته من هذا المكان، وسيرجع إن شاء الله آمنا ريب الزمان؟ فدعي هذه الأفكار؛ فإنها لا تفيد سوى الأكدار. (يدخل الشيخ ناصر مسرعا.)

ناكر الجميل · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ناكر الجميلص ٤