والله جل وعلا يتعبد عباده بعبادات عظيمة منها ما يعنى بتزكية أموالهم فكانت فريضة الزكاة ومنها ما يتعلق بتربية أجسادهم وأبدانهم فكانت فريضة الصيام ومنها ما يتعلق بأرواحهم فكانت فريضة الصلاة ومنها ما يتعلق بذلك كله وهو الحج.
والصيام شرعه الله تبارك وتعالى لهذه الأمة في السنة الثانية من الهجرة وقبل أن أدخل في أركانه أقول إن الأصل فيه أن الناس كانوا يصومون ثلاثة أيام أو غيرها من كل شهر.
وأريد أن أنبّه إلى مسألة الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ , وقال: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ فهم بعض العلماء أن أياماً معدودات هي شهر رمضان هذا عليه الجمهور وعندي أن هذا غير صواب لا يقال للشهر أنه أيام معدودات وإنما الأصل أن الصوم لما فرض لم يفرض رمضان يعني أمر المسلمون بأن يصوموا أياماً سواءً كانت ثلاثة أيام من كل شهر أو عاشوراء معها ثم بعد أن عرفوا هذا جاء الشرع ببيان أن الإنسان له أن يصوم وله أن يفطر شريطة أن يفدي وجعل أنه لو صام لك كان أفضل قال الله: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فلما عرف الناس هذا ومكث هذا أشهر جاء الشرع بوجوب شهر رمضان فقال الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فقول الله فليصمه هذا إيجاب شهر رمضان أما كتب عليكم الصيام ليس لها علاقة برمضان لها علاقة بالصيام كركن لكن لم تحدد أيامها.
وقد جرت سنة القرآن أن الشيء إذا كان معلوماً مشاعاً ذائعاً لا يتحدث عنه وإن كان غير مألوفٍ غير معروف تحدث عنه والدليل على هذا من وجهين:
الوجه الأول الله عز وجل لما ذكر الحج والحج عبادة تعرفها العرب قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ , ولم يقل لنا ربنا ما هي الأشهر المعلومات لأن العرب وقت نزول القرآن هي تعرف ما هي أشهر الحج فلم يقل ما هي أشهر الحج لكنه في الصيام لأنه عبادةٌ غير معروفة لم تسبق لم تكن العرب تصوم بيّن جل وعلا وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾.
كذلك لما ذكر الله جل وعلا هذا الوجه الثاني لما ذكر الجنابة وذكر الوضوء لما ذكر الوضوء فصّل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ فعدد وبين لكنه لما ذكر الجنابة قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ فالعرب كانت تغتسل من الجنابة لكنها لم تكن تتوضأ فالشيء الذي تعرفه ما فصّل القرآن فيه لأن أبا سفيان مثلاً عندما حصل ما وقع لقريش ما وقع يوم بدر نذر أن لا يغتسل من جنابة حتى يثأر فكانت العرب تعرف الغسل من الجنابة ولا تعرف الوضوء فجاء القرآن بتفصيله.
من هنا نقول الصيام في اللغة هو الإمساك الامتناع وهذا بالإجماع لا خلاف عليه الامتناع عن ماذا؟ , يختلف ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أي الامتناع عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ , لكنه إذا أطلق في الشرع يراد به الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات.
ما أركانه؟ ... أولها النية لا بد من أن يكون الإنسان قد نوى أن يصوم سواءً نوى أول الشهر أن يصوم رمضان كله أو أن ينوي كل ليلةٍ في رمضان أو كل يومٍ أراده من صيام النوافل والتطوع ولكن لا بد أن يكون هناك قصدٌ وعزمٌ قلبيٌ على أن يصوم ويريد بهذا الامساك الصيام لأنه قد يمسك الإنسان لعلة من أمر الطبيب أو بغيره أو من جوع فيمسك عن الطعام والشراب لكن لا يعد هذا صياماً ولا يعد هذا قربة ولا عبادة يثاب عليها لا بد من النية هذا الأول.
بعد النية الامساك عن المفطرات لا بد ان يجتنب المفطرات وإلا لا يسمى صياماً اللهم إلا أن يأتي شيئاً من المفطرات ناسياً فيجري عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داوود في السنن: " أطعمك الله وسقاك ".
الركن الثالث ليس عاماً إنما هو يتعلق بالمرأة وهو خلو المرأة من الحيض والنفاس خلو المرأة من الحيض والنفاس هذا فقهياً ما يمكن أن يقال عن الصيام.
المقدم: نعم وله كذلك مفسدات.
الشيخ صالح المغامسي: وله مفسدات , مفسدات الصوم الأكل فيصبح الإنسان مفطراً إذا طعم أو شرب أو جامع إتيانه لأي من المفطرات أفسد عليه صومه.
لكن نحن المنحى إذا أذنت لي لا نريد فقهياً لأننا لا بد أن نعرّف أننا نتكلم عن نضرة النعيم في سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
المقدم: أنا أريد أن أختم فقهية هذه الحلقة بمستحباته ثم سننتقل إلى ما تريد.
ش مستحباته السحور وهذا الآن أنت أدخلتنا في هديه , السحور قال عليه الصلاة والسلام: " تسحروا فإن في السحور بركة " فالمؤمن المتبع حقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يسمع فإن في السحور بركة يكون إقباله بيقين على طعمة السحور لا ليوافق أقرانه وإنما لعلمه أن هذه الطعمة وإن قلت سيجعل الله جل وعلا فيها البركة التي تعينه على طول النهار أو قصره لا بد أن يكون الدين يؤخذ بمثل هذه الطريقة لا بد أن تمتزج حياة الأرواح مع حياة الأبدان لا بد أن يمتزج مقام التكليف مع نور النبوة أنا أقصد نور هدي النبوة.
فقال عليه الصلاة والسلام: " تسحروا فإن في السحور بركة " فالإنسان يَطعم وهو يستصحب هذا الأمر والسنة فيه التأخير يؤخر الإنسان السحور حتى لا يكاد يبقى بينه وبين المؤذي شيء ولو قدّر أنه كان في يده قدحاً يشرب منه وقد أذن فلا حرج أن يتمه وما لم يكن في يده فليس له أن يرفعه وإن كان الضبط بين الليل والنهار محال قال الله عز وجل: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾.
وعلى الوجه الآخر كما استحب الشارع تأخير السحور استحب تعجيل الفطر ولماذا يعجّل الفطر؟ , كأن العبد يقول لربه ما أفقرني إليك ليس حسناً أن يظهر الإنسان استغنائه عن الله لأنه لا استغناء عن الله أصلاً فيحب أن يقبل الإنسان على ربه بضعفه وانكساره حتى يقبل الله جل وعلا عليه والسنة أن يَطعم الإنسان فطره برطبات وتراً فإن لم يتيسر فتمرات فإن لم يتيسر حسبٌ من ماء ذلكم قبل أن يصلي المغرب ويستصحب هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " للصائم فرحتان فرحةٌ عند فطره وفرحةٌ إذا لقي ربه " فيكون الإنسان مستصحباً ربه وهو يفرح يفرح بماذا؟ , من يعين على الطاعة؟ , الله فالله حبب إليك أن تصوم وجعله أمراً محبباً إلى قلبك.
ولو لم يكن محبباً إلى قلبك لما صنعته ثم لما حببه إلى قلبك أعانك عليك أعانك على أن تصوم فعندما يصل الإنسان لبدنه إلى اللحظة التي يريد أن يَطعم فيها ويفطر يعلم أن الله يحبه لو لم يكن الله يحبك لما حبب إليك أن تعبده ولو لم يكن يحبك لما يسر لك أن تعبده فتفرح أن الله اصطفاك فحبب إليك الإيمان وزيّنه في قلبك والصيام من