تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال الله يتكلم عن نبيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ولم يقل عبست وتوليت وهذا من إجلال الله جل وعلا لنبيه والقرآن زاخر بكرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه الله يقول: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ , و قال: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ , وقال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا.

فنادى الأنبياء بأسمائهم الصريحة وليس في القرآن يا محمد في القرآن يا أيها النبي يا أيها الرسول وإنما ذكر محمد لا على سبيل النداء بل على سبيل الإخبار ﴿وَالَّذِينَ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ فهذا من كرامته صلى الله عليه وسلم على ربه.

وهنا قال له ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ كأنما تكلم عن شخصٍ غير حاضر عبس هو تولى هو ما قال له عبست وتوليت , فهذا وقع منه عليه الصلاة والسلام يقال في حقه فعل خلاف الأولى فعل خلاف الأولى بمعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد هل يسعى في دعوة الصناديد أو في دعوة عبد الله ابن أم مكتوم وكلاهما اجتمع حاله في وقت واحد في مجلس واحد يقبل على هؤلاء أم يقبل عليه فغلب على ظنه أن الإقبال على هؤلاء أشد ثمرةً للدعوة فلم يكن صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً لحظه الشخصي لا لدينارٍ ولا لدرهم ولا لمعصيةٍ لربه ليس هناك نص صريح حتى نقول أنه خالفه حتى عصى ربه لكن عليه الصلاة والسلام كان قد أهلك نفسه في ان يدعو قومه ولهذا قال له ربه ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ فقال له ربه هنا: عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿1﴾ أَن جَاءهُ الْأَعْمَى ﴿2﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿3﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿4﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿5﴾ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿6﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿7﴾ وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى ﴿8﴾ ...... إلى آخر الآيات.

فهذا نقول عنه فعل خلاف الأولى وبيّنا تحريراً ما كان منه ...

جاء الخبر عن يونس عليه السلام الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ , وقال عنه في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

يونس هذا عليه السلام بعثه الله جل وعلا إلى أهل نينوى من أرض الموصل من أرض العراق قال: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ النون الحوت أي يا صاحب الحوت , ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ مغاضباً من من؟ , من قومه هو لم يؤمر بالبقاء فلم يبقى لكنه أمر بأن يدعو قومه فلما أمر أن يدعو قومه توعدهم بالعذاب فكأن العذاب أبطئ وكان فيه عليه السلام شيء من الحدة فلما أبطئ عليه العذاب تركهم وذهب دون أن يستأذن ربه وكان يعلم مقامه عند الله وقد بيّن الله هذا ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ﴾.

غلب على ظنه أو تيّقن لأن الظن يأتي بمعنى اليقين في القرآن ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ما معنى ان لن نقدر عليه؟ يُطلق الفعل يقدر ويراد به أمرين إما القدرة بمعنى التمكن وهذا محال أن يظنه يونس لأن الكافر يعلم أنه لن يفر من سطوة الله وعصاة المؤمنين يعرفون أنهم لن يفروا من غضب الله إذا أراد الله بهم شيئاً وقع ولكن نقدر هنا ضد التوسع في الرزق الله جل وعلا يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ قدر عليه رزقه يعني ضيّق ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ والمعنى أن يونس عليه السلام غلب على ظنه أن مقامه عند الله ومنزلته إكرام لنبي من أنبياء الله لن يضيّق الله جل وعلا عليه لا في الرزق ولا في الأرض فله متسع وليس ملزماً بأن يبقى في ديار قومه لكنه فاته أن يستأذن ربه وأن لا يتعجل في دعوة قومه وأن يبقى بين أظهرهم حتى يفصل الله بينه وبينهم.

فخرج مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه وفي حق الأنبياء هذا غير مقبول ولكنه لا يسمى معصية غير مقبول ولكنه لا يسمى معصية ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

ولهذا قال الله في سورةٍ أخرى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ , وكما أن العطاء يكون على قدر علو المنزلة فكذلك العقاب يكون على قدر علو المنزلة ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ , والله جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ﴿إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ومحال ان يقع منه صلى الله عليه وسلم هذا لكن البيان أن شريف المنزلة كما ينجم عنه شريف الثواب ينجم عنه عظيم العقاب , هذه في حالة من؟ , في حالة يونس ..

في حق النبي صلى الله عليه وسلم قال الله له: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ وهذا مر معنا إجمالاً في حديثنا عن المنافقين.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أذن لهؤلاء ولم يرد أن يتبيّن صادقهم من كاذبهم فعاتبه ربه لكن العتاب جاء مسبقاً بالعفو حتى يبيّن عظيم المنزلة ورفيع الدرجة وهذا من إجلال الله لنبيه ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ﴾ أياً كان الحال فأنت النبي المختار والصفوة من الرسل وسيد أولو العزم وهذا أمرٌ فُرغ منه ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ يعلّمه أن اجتهاده هنا كان خلاف الأولى يعلّمه أن اجتهاده هنا كان خلاف الأولى.

هذه بعض الآيات والنصوص التي وردت فيما ظاهره كثير منها قال الله جل وعلا في حق نوح فإن نوح عليه الصلاة و السلام قال له ربه ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

نوحٌ عليه السلام كان ما كان من أمره من دعوة قومه ثم إنهم ما زالوا لا يلدوا إلا فاجراً كفّاراً أوحى إليه ربه ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فلما علم أنه لن يؤمن قومه إلا من قد آمن ابتهل إلى الله ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾.

لا بد من الجمع ما بين دعاءه وما بين قول الله جل وعلا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ لماذا لا بد من الجمع؟ حتى لا يأتي أحد ويدعو على الكفار دعاءً عاماً يحتج بدعاء نوح نوحٌ كان يعلم بخبرٍ من الله أن أحداً لن يؤمن ولهذا يقول بعض الناس من مدح النبي صلى الله عليه وسلم ويعرّض بنوح ويقول: وأهلك قومه في الأرض نوحٌ بدعوة لا تذر أحداً فأفنى ودعوة أحمدٍ لربه ربي اهدي قومي فهم لا يعلمون كما علمنا , وهذا استشهاد غير صحيح لأن نوحاً لم يدعو عليهم إلا بعد أن أخبره الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.

لما كان ما كان من أمر السفينة قال نوحٌ كما قال الله جل وعلا: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ أنت وعدتني أن تنجّي أهلي ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.

برنامج نضرة النعيم · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

برنامج نضرة النعيمص ٧٤