المقدِّم: اللهم آمين ,كما قدّمنا وختمنا الحلقة الماضية التي كنا نتحدث فيها عن الغزوات وما جاء في باب الجهاد النبوي اليوم ان شاء الله في هذه الحلقة نستفتح الحديث عن الأحوال النبوية بحلقة هذا اليوم وهي حلقة عن " العصمة ".
نبدأ معك شيخنا بتحرير للعصمة لغةً واصطلاحاً؟ .....
الشيخ صالح المغامسي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ...
العصمة في اللغة بمعنى المنع قال الله جل وعلا كما في خبر نوحٍ وابنه ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء﴾ أي يمنعني ... وجاء في خبر الصدّيق يوسف ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ﴾ أي امتنع فهذا أصلها اللغوي وهو ظاهر.
وأما في الشرع فتأتي على ضربين: الضرب الأول وهو الذي يراد به العصمة إذا أطلقت وهو حفظ الله جل وعلا لأنبيائه ورسله من أن يقعوا في الذنوب كبيرها وصغيرها وأن يقعوا في كل ما يعيبهم أو يشينهم فهذا العصمة بمعناها المطلق بالشرع.
ثم تأتي بمعنى حفظ الله جل وعلا لأوليائه أو لأنبيائه ورسله من أن يؤذيهم أحد أو أن ينال منهم أحد وهذه ليست لكل نبي أما الأولى فلكل الأنبياء الأولى لكل الأنبياء وهي إذا أطلقت يراد بها العصمة إذا أطلقت العصمة يراد بها هذا المعنى حفظ الله جل وعلا لأوليائه من الذنوب كبيرها وصغيرها ومن أن يقعوا في أي أمرٍ يشينهم أو يعيبهم أما العصمة بمعنى الحفظ فهذه ليست لكل أحد فمثلاً نبي الله يحيى قُتل وغيره من الأنبياء قال الله جل وعلا عن بني إسرائيل: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ وهذا معنى ذلك أن فريقاً من الأنبياء قُتلوا.
فعلى هذا قول الله جل وعلا: ﴿يَا وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ , هذا من حفظ الله جل وعلا لنبيه أن يناله أحدٌ بأذى وقد وقع ومر معنا في غزوة خيبر أن الشاة لما سُمّت قال عليه الصلاة والسلام: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم.
من هنا يتحرر المعنى اللغوي والشرعي ولكن تبقى مسألة وهو أنه جرت على ألسنة بعض الناس أنه يقول العصمة لله ولرسوله وهذا خطأ عظيم فالعصمة تكون لأهل التكليف في أنهم لا يقعون في الذنوب أما الله جل وعلا فهو الذي يعصم فلا يقال العصمة لله لا يقال العصمة لله لأنه جل وعلا هو الذي يعصم إلا إذا أراد القائل أن الله هو الذي يعصم اللام هنا لام الملك صح ذلك.
المقدِّم: نعم , العلماء كان لهم مجموعة من الأقوال فيما يتعلق بعصمة الأنبياء من الوقوع في الصغائر والكبائر؟.
الشيخ صالح المغامسي: السبب في ذلك ما ورد من نصوص لكن الصواب ان شاء الله أن الأنبياء عليهم السلام جميعاً معصومون من الوقوع في الذنوب كلها كبيرها وصغيرها ومن التلبس في أي شيءٍ يشين أو يعيب.
يبقى السؤال هل هذا قبل النبوة وبعدها أم بعد النبوة فقط؟ , لكلٍ قال العلماء يعني المسألة فيها أبحاثٌ كثيرة لكن نقول هنا ما الذي نختاره؟ , الله جل وعلا جعل هؤلاء الأنبياء صفوة للخلق وأمر العباد بأن يحذوا حذوهم وأن يقتدوا بهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ , وأثنى عليهم فهناك تعارض كبير لو سلّمنا بأن الله جل وعلا لم يعصمهم من الذنوب قبل نبوتهم إلا أن بعض العلماء يفرّق فيقول ننظر في النبي إن كان هذا النبي تابعاً لنبيٍ قبله فيصبح معصوماً أما إن لم يكن تابعاً لنبيٍ قبله إنما هو نُبّئ وبعث في قومٍ أصلاً كفّار ولا يوجد نبيٌ قبله مثل هود وصالح ونبينا صلى الله عليه وسلم فهؤلاء تكون لهم العصمة قبل النبوة وبعدها.
والذي يظهر لي أن الله جل وعلا حفظ أنبيائه ورسله من أن يتلبسوا بشيءٍ من الذنوب كبيرها وصغيرها قبل البعثة وبعد بعثتهم حتى يتحقق فيهم أنهم ذو هديٍ كامل وطريقٍ قويم ولا يجد أحدٌ سبيلاً إلى أن يقدح فيهم أو أن يقلل من شأنهم.
المقدِّم: نعم , هناك فضيلة الشيخ آيات قرآنية تحدثت في ظاهرها عن ذنوب وقعت من الأنبياء فكيف يجاب عنها وفق ما ذكرت قبل قليل؟.
الشيخ صالح المغامسي: نعم , فلنأخذ بعضاً من هذه الآيات نبدأ بآدم عليه السلام .... آدم عليه السلام نبيٌ مكلّم كما صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه الله بيده واسجد له الملائكة ونفخ فيه من روحه وعلّمه أسماء كل شيء وأدخله جنته وأمره أن لا يأكل من الشجرة وقال الله جل وعلا بنص كلامه العظيم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ فيحتج عليك المخالف بأن الله جل وعلا قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ فكيف تقول أن الأنبياء معصومون!؟.
يجاب عن هذا جواب أولي وجواب تابع .... الجواب الأولي أن هذا في الجنة والجنة ليست دار تكليف ليست دار تكليف ولا يقال في حقها كبائر أو ما يقع فيها من كبائر أو صغائر وإنما كان التكليف بعد أن أهبط عليه السلام إلى الأرض هذا الجواب عن آدم الأصل الأولي ..
ما يتبعه من جواب أن حديث الله عن عباده وخلقه ليس كحديثنا عن أبينا فالله يتكلم عن عبدٍ من عباده قال عنه ﴿وَعَصَى﴾ لكن نحن عندما نتحدث لا يحسن أن نقول أن آدم عاصٍ لأن آدم بالنسبة لنا أبٌ والله نسبنا إليه قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ , ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ , ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ فنسبنا الله جل وعلا إليه فالخطاب هنا عن أبينا ليس كخطاب ربنا جل وعلا عن عبدٍ من عباده وخلقٍ من خلقه.
من الآيات التي جاء في ظاهرها أنه ثمة عصيان النبي صلى الله عليه وسلم في فاتحة سورة عبس قال الله جل وعلا: {عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿1﴾ أَن جَاءهُ الْأَعْمَى ﴿2﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿3﴾ ..... والآيات شهيرةٌ ظاهرةٌ محفوظةٌ في خبر عبد الله ابن أم مكتوم فان عبد الله ابن مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله يلتفت ويقبل على صناديد قريش وهو يقول: علّمني مما علّمك الله يسأله أن يتعلم شيئاً من القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الصناديد ويدعه.
فعاتبه ربه فيه وسمّا النبي صلى الله عليه وسلم هذا عتاباً وكان يقول له: أهلاً بمن عاتبني ربي فيه.