تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا : ولأن المعصية لو منعته من أكل الميتة عند الضرورة في سفره لاستباح بالمعصية | قتل نفسه لأنه إذا امتنع من أكلها أفضى به الجوع إلى التلف وقتل النفس محرم عليه لقوله | تعالى : ^ ( ولا تقتلوا أنفسكم ) ^ [ النساء : 29 ] ، ولأن معصيته لما لم تبح له قتل غيره لم تبح | له قتل نفسه

والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى : ^ ( حرمت عليكم الميتة والدم ) ^ | [ المائدة : 3 ] فأطلق تحريم الميتة عموما ثم استثنى من جملة التحريم مضطرا ليس بعاص | فقال تعالى : ^ ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ) ^ [ المائدة : 3 ] أي غير مرتكب | لمعصية فإن الله غفور رحيم . فوجب أن يكون العاصي المضطر كالطائع الذي ليس بمضطر | في تحريم الميتة عليهما لعموم التحريم

وقال سبحانه : ^ ( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله | فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) ^ [ البقرة : 173 ] . فحرم | الميتة تحريما عاما ، واستثنى منه مضطرا غير باغ ولا عاد ، قال الشافعي : غير باغ على الإمام | ولا عاد على المسلمين ، فإن قيل إنما أراد بقوله تعالى : ^ ( غير متجانف لإثم ) ^ [ المائدة : 3 ] | أي : غير مرتكب لتناول ما زاد على سد رمقه ، وبقوله غير باغ أي غير طالب لأكل ما لا حاجة | له إليه وبقوله ، ولا عاد ، أي : لا متعمد فيها بعد سد رمقه

قيل عن هذا جوابان :

أحدهما : استعماله في الأمرين وحمل على العموم في الموضعين

والجواب الثاني : وهو المرضي أن هذا التأويل لا يصح لأن الله تعالى أباح الميتة | لمضطر غير باغ ولا عاد فلم يجز حمله على من زاد على سد رمقه ، لأنه غير مضطر والإباحة | لمضطر على حق ، فعلم أن المراد بها عدم المعصية

ومن الدليل على ما ذكرنا : هو أن رخص السفر متعلقة بالسفر ومنوطة به فلما كان سفر | المعصية ممنوعا منه لأجل المعصية وجب أن يكون ما تعلق به من الرخص ممنوعا منه لأجل | المعصية

فإن قيل : هذا باطل بما جرح نفسه فعجزه عن القيام ، يجوز له أن يصلي قاعدا و | وإن كان الجرح معصية ، وكذلك المرأة إذا ضربت بطنها فألقت ما فيه فإنه تسقط عنها | الصلاة في مدة النفاس وإن كان الضرب معصية ، قلنا جواز القعود إنما يتعلق بالعجز عن | القيام والعجز في نفسه غير معصية وإنما هو متولد عن الضرب الذي هو معصية ، وكذلك | الصلاة إنما تقسط بوجود النفاس وليس النفاس معصية وإنما هو متولد عن الإسقاط الحادث | عن سبب هو معصية فلذلك ما جوزناه وسبب هذه الرخص هو السفر لا غير وهو في نفسه |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ٢ · ص ٣٨٨