| يجوز أن يرد النسخ قبل العلم بالمنسوخ لأن من شرط النسخ أن يكون بعد استقرار | الفرض ليخرج عن البداء إلى الإعلام بالمدة .
فإن قيل : فقد روي عن النبي [ $ ] في ليلة المعراج أن الله تعالى فرض على أمته | خمسين صلاة فلم يزل يراجع ربه فيها ويستنزله حتى استقر الفرض على خمس فدل | على جواز النسخ قبل العلم بالمنسوخ .
قيل : هذا إن ثبت فهو على وجه التقرير دون النسخ ؛ لأن الفرض يستقر بنفوذ | الأمر ولم يكن من الله تعالى فيه أمر إلا عند استقرار الخمس .
والضرب الثالث : المختلف فيه فهو ورود النسخ بعد اعتقاد المنسوخ وقبل العمل | به .
وفيه لأصحابنا ثلاثة أوجه :
أحدها : لا يجوز نسخه بعد اعتقاده وقبل العمل به كما لا يجوز نسخه قبل | الإعتقاد لما ذكرنا من التعليل ليخرج من البداء إلى النسخ .
والوجه الثاني : يجوز نسخه بعد الإعتقاد وقبل العمل ، كما يجوز نسخه بعد | العمل ، لأن الإعتقاد من أعمال القلب ، فكان كالنسخ بعد العمل ، ويكون مراد الله | تعالى به الإعتقاد دون العمل اختبارا لطاعتهم ، كما أمر الله تعالى إبراهيم بذبح ابنه ثم | نهاه عنه قبل ذبحه فقال : ^ ( فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت | الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ) ^ [ الصافات : 102 ] فاختبر بذلك طاعته ونهاه بعد | الإعتقاد وقبل الفعل .
والوجه الثالث : أنه لا يجوز النسخ إلا أن يمضي بعد الإعتقاد زمان يمكن العمل | به وإن لم يعمل به لاختصاص النسخ بتقدير مدة التكليف وذلك موجود بمضي زمانه . | فإذا استقر النسخ بما بيناه لزم فرضه في الحال لكل من علم به من الحاضرين . وأما | فرضه على الغائبين عنه ففيه وجهان :
أحدهما : يجب فرضه عليهم في الحال كالحاضرين وإن لم يعلموا به إلا بعد | حين ؛ لأن الله تعالى قد عمهم بفرضه ولم يخص به حاضرا من غائب .
والوجه الثاني : وهو أشبه - أن فرضه يجب عليهم بعد علمهم به وإن تقدم فرضه | على غيرهم عن علم كما يلزم الحاضرين فرضه بعد إبلاغ الرسول وإن تقدم فرضه على | الرسول ولذلك استدار أهل قباء في صلاتهم إلى بيت المقدس وتحولوا إلى الكعبة | فبنوا على ما تقدم قبل علمهم وقال ابن عمر : كنا نخابر أربعين سنة . لا نرى بذلك | بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول الله [
| ] نهى عنها فانتهينا ولم يتراجعوا فيما | تقدم .