تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أبو حنيفة ماء البئر مخالف لغيره من مياه المصانع والأواني وإن ماتت في البئر | عصفورا وفأرة نزح من البئر عشرون دلوا وكان باقي مائها طاهرا ، وإن وقع ذنبها نزحت البئر | كلها ، وإن مات فيها سنورا ودجاجة نزح منها أربعون دلوا ، وكان باقي مائها طاهرا ، وإن | ماتت فيها شاة نزح جميع مائها ، وكذا إن وقع فيها بول أو عذرة ، وكان من فرق بين ماء البئر | وغيرها أن ماء البئر ينبع من تحتها فهو يدفع النجاسة إلى علوها ، وكأنه فرق بين الفأرة | والسنور ، أن السنور يغوص في الماء أكثر من الفأرة فكان ما ينزح بموتها أكثر ، والشاة تغوص | إلى قعر البئر ، فينزح جميع ما في البئر ، وهذا مذهب إن لم يعضده نص ، وليس فيه نص فهو | أظهر فساد من أن يقام على فساده دليل ؛ لأن الماء النجس لا يطهر بأخذ بعضه فيكون | المأخوذ منه نجسا ، والمتروك طاهرا وكيف تميزت النجاسة حتى صار جميعها في المأخوذ ، | ولم يبق في المتروك شيء منها ، وتميزت الطهارة في المتروك ، ولم يبق في المأخوذ شيء | منها ، وما انفصل بينه وبين من قلب ما قاله فجعل المأخوذ طاهرا ، والمتروك نجسا .

فإن قال : لأن المأخوذ من أعلاه وما ينبع من ماء البئر يدفع النجاسة إلى أعلى .

قيل : الدلو إذا نزل في البئر نزح جميع مائها ، ولم يترك طبقات الماء في البئر على | حالها ، ثم كيف انتهى رفع النجاسة بما يقع من أسفلها إلى عشرين دلوا في أعلاها ، ولم | يرتفع عنه ولم ينخفض منه ثم يقال له : لو جاز أن يكون ما نبع من أسفل الماء يرفع النجاسة | إلى أعلاه ، أوجب أن يكون ما يصب عليه من أعلاه يحيط النجاسة إلى أسفله على قياس | هذا القليل ، وأنتم لا تقولون به ، ثم يقال له : زعمت أن الفأرة لا تغوص في الماء بأكثر من | عشرين دلوا من أين لك هذا ، ولم لا قلت مثله في ماء الغدير ، وما تقول إن شدت الفأرة | بحجر حتى وصلت إلى قعر البئر ينبغي على قولك أن ينزح جميع مائها ولو شدت بخشبة | حتى منعت من غوصها أن لا ينزح شيء منها ، وأنت لا تقول بهذين وتوجب نزح عشرين دلوا | في الأحوال كلها ، ثم يقال له : ذنب الفأرة أقل غوصا في الماء من جميع الفأرة وأنت تقول | في ذنبها وهو أحد أعضائها أنه ينزح منه ماء البئر كله ، وينزح من الفأرة مع ذنبها عشرون دلوا | من جملته ، ثم يقال له : زعمت أنه لو سقط الدلو الأخير من العشرين إلى ماء البئر صار | نجسا ، فإن عاد فنزح منها دلوا واحدا صار طاهرا فهل يتصور في المعقول أن الدلو النجس | الذي سقط في الماء خرج جميعه في الدلو المستقى منه حتى تميز بعد امتزاجه به ، ولأجل | ذلك قال الجاحظ : لم أر دلوا أعقل من دلو أبي حنيفة يعني أنه يميز بين الماء الطاهر | والنجس ، والجاحظ غير معذور بمثل هذه الخلاعة في أبي حنيفة مع فضله وتقدمه في علمه | لكن تطرق باضطراب المذهب وذهابه إلى الاسترسال بهذا القول المستهجن فإن قال أبو | حنيفة : إنما قلت هذا ؛ لأنه روي عن علي رضي الله عنه ، قيل قد روي عنه أنه أمر بنزح | سبع أو ثمان ، وليست إحدى الروايتين في المصير إليها بأولى من الأخرى قال : إنه يجوز

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١ · الصفحة ٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١ · ص ٣٣٨