أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يجوز أن يستعمل من هذا الماء إلا من | مكان يكون بينه وبين النجاسة القائمة فيه قلتان فصاعدا وإن استعمل من مكان يكون بينهما | أقل لم يجز اعتبارا بأن ما قارب النجاسة كان أحص بحكمها .
والوجه الثاني : وهو قول أبي العباس بن سريج وأبي سعيد الأصطخري وجمهور | أصحابنا أنه يجوز أن يستعمل الماء من أي موضع شاء ولو من أقربه إلى النجاسة ، وألصقه | بها ؛ لأن الماء الواحد لا يتبعض حكمه ، وإنما يجري عليه حكم واحد في النجاسة ، أو | الطهارة فعلى هذا يستعمل منه إلى أن ينتهي الباقي إلى حد القلتين ، فإن أراد أن يستعمل من | الباقي بيده لم يجزه ، لأن ما يغترفه بيده منه لا يوجب تنجيس باقيه فينجس من يده ما لاقى | الباقي من الماء بعد اغترافه فأما إذا اغترف منه بدلو وإناء فعلى مذهب أبي إسحاق المروزي | أن كلا الماءين نجس ، ما اغترفه وما أبقاه ، لأنه اغترف من موضع بينه وبين النجاسة أقل من | قلتين ، وعلى مذهب أبي العباس بن سريج يعتبر حال النجاسة ، فإن بقيت في الماء ، ولم | تخرج في الدلو الذي اغترفه فما اغترفه من ماء الدلو طاهر ، وظاهر الدلو مع الماء الباقي | نجس ، فإن خرجت النجاسة في الدلو الذي اغترفه فما في الدلو نجس ، وظاهر الدلو مع | الماء الباقي طاهر ، فإن نقطت من الدلو نقطة ماء فوقعت في الباقي من الماء ، فإن نقطت من | ظاهره كان الباقي من الماء على طهارته ؛ لأن ظاهر الدلو طاهر وإن نقطت من باطنه صار | الباقي من الماء نجسا ؛ لأن ما في داخل الدلو من الماء نجس فلو شك هل كانت النقطة من | ظاهره أو باطنه فالماء الباقي على أصل طهارته ؛ لأنه طاهر شك في وقوع النجاسة فيه ، فهذا | حكم الماء الكثير إذا لم يتغير بوقوع النجاسة فيه . |
| ( فصل : وإن تغير بالنجاسة الواقعة فيه بلون أو طعم أو رائحة فهو نجس ، ولا يجوز | استعمال الشيء منه ما كان التغير على حاله سواء كانت النجاسة مائعة أو متجسدة فإن زال | تغيره عاد إلى الطهارة ، لأنه نجس لأجل التغيير ثم يكون على ما ذكرنا حكمه إذا لم يتغير | على استعمال ، وإن كانت النجاسة مائعة أو متجسدة فإن عاد إلى التغيير بعد زواله نظر ، | فإن كانت النجاسة قائمة فيه فهو نجس ؛ لأنه ماء متغير بنجاسة حكمية ، وإن كانت النجاسة | قد أخرجت منه فهو طاهر ؛ لأنه ماء طاهر قد تغير من غير نجاسة قائمة فيه والله أعلم . |
( مسألة ) $ : قال الشافعي رضي الله عنه : ' وإن وقعت ميتة في بئر فتغير من طعمها أو | لونها أو رائحتها أخرجت الميتة ونزحت البئر حتى يذهب تغيرها فتطهر بذلك ' .
قال الماوردي : وهذا صحيح ، وحكم ماء البئر فيما ينجس به ، ولا ينجس كحكم غيره | من مياه المصانع ، والأواني . |