فأما مالك فاستدل بقوله تعالى : ^ ( وامسحوا برءوسكم ) ^ [ المائدة : 6 ] ، فاقتضى | الظاهر أن يمسح جميع ما انطلق عليه اسم الرأس ، وبحديث عبد الله بن زيد أن | رسول الله [
| ] مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى ما قفاه | ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، وبحديث المقدام بن معد يكرب | قال : رأيت رسول الله [
] توضأ فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما | حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه .
ولأنه أحد الأعضاء الظاهرة فوجب أن يكون استيعابه بالتطهير واجبا كالوجه ولأن كل | موضع كان محلا لفرض المسح تعلق به فرض المسح أصله البعض المتفق عليه .
ودليلنا قوله تعالى : ^ ( وامسحوا برءوسكم ) ^ [ المائدة : 6 ] ، ومنه دليلان :
أحدهما : أن العرب لا تدخل في الكلام حرفا زائدا إلا بفائدة ، والباء الزائدة ، قد تدخل | في كلامهم لأحد أمرين : إما للإلصاق في الموضع الذي لا يصح الكلام بحذفها ، ولا | يتعدى الفعل إلى مفعوله إلا بها كقولهم مررت بزيد ، وكقوله تعالى : ^ ( وليطوفوا بالبيت | العتيق ) ^ [ الحج : 29 ] . لما لم يصح أن يقولوا مررت زيدا ، وليطوفوا البيت كان دخول الباء | للإلصاق ، ولتعدي الفعل إلى مفعوله . وإما للتبعيض في الموضع الذي يصح الكلام | بحذفها ، وبتعدي الفعل إلى مفعوله بعدها ليكون لزيادتها فائدة .
فلما حسن حذفها من قوله تعالى : ^ ( وامسحوا برءوسكم ) ^ [ المائدة : 6 ] ، لأنه لو | قال : ^ ( وامسحوا رءوسكم ) ^ [ المائدة : 6 ] ، صلح دل على دخولها للتبعيض .
والثاني : أن من عادة العرب في الإيجاز والاختصار إذا أرادوا ذكر كلمة اقتصروا على | أول حرف منها اكتفاء به ، عن جميع الكلمة كما قيل في قوله تعالى : ^ ( كهيعص ) ^ أن الكاف | من كافى ، والهاء من هادى ، وكما قال الشاعر : قلت لها قفي فقالت قاف . أي وقفت ، وكما | قال الآخر : نادوهم أن ألجموا ألا تا فقالوا جميعا كلهم ألا فا ، ومعناه نادوهم أن ألجموا ألا | تركبون قالوا جميعا ألا فاركبوا .