تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ 0 وليس من ضرورة مقام الشوق استبطاء الموت، وربما الأصحاء من المحبين يتلذذون بالحياة لله تعالى كما قال الجليل لرسول الله : (قل إن صلاتسى ونسكى ومخياى ومماتى لله رب العالهين) فمن كانت حياته لله منحه الكريم لذة المناجاة والمحبة، فتمتلىء عينه من النقد(1)، ثم يكاشفه من المنح والعطايا ما يتحقق بمقام الشوق من غير الشوق إلى ما بعد الموت وأنكر بعضهم مقام الشوق، وقال إنما يكون الشوق لغائب، ومتى يفيب الحبيب عن الحييب حتى يشتاق؟

ولهذا سئل الأنطاكى عن الشوق ، فقال : إنما يشتاق إلى الغائب، وما غبت عنه منذ وچده وإنكار الشوق على الإطلاق لا أرى له وجها .. لأن رتب العطايا والمنح من أنصبة القرب إذا كاتت غير متناهية كيف ينكر الشوق من المحب؟ فهو غير غائب وغير مشتاق بالنسية إلى ما وجد، ولكن يكون مشتاقا ما لم يجد من أنصبة القرب ، فكيف يمنع حال الشوق والأمر هكذا ..؟

ووجه آخر: ان الإنسان لابد له من أمور يردها حكم الحال لموضع بشريته وطبيعته وعدم وقوفه على حذ العلم الذى بقتضيه حكم الحال، ووجود هذه الأمور مثير لنار الشوق، ولا نعنى بالشوق إلا مطالبة تنبعث من الباطن إلى الأولى والأعلى من أنصية القرب . وهذه المطالبة كائنة فى المحبين، فالشوق إذن كائن لا وجه لإنتكاره .

وقذ قال قوم: شوق المشاهدة واللقاء أشد من شوق البعد والغييوبة، فيكون فى حال الغييوبة مشتاقا إلى اللقاء، ويكون فى حال اللقاء والمشاهدة مشتاقا إلى زوائد ومبار(2) من الحبيب وأفضاله، وهذا هو الذى أراه وأختاره.

وقال فارس: قلوب المشتاقين منورة بنور الله، فإدا تحركت اشتياقا أضاء النور ما بين المشرق والمغرب ، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول : هؤلاء المشتاقون إلى أشهدكم إنى اليهم أشوق وقال أبو يزيد : لو أن الله حجب أهل الجنة عسن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كمسا يستقيث أهل النار من الثار (1) التقد: لعل المراد بها النظر أو العطاء (2) مبار : جمع مبرة والبرة البر والمطفت واللطف.

عوارف المعارف · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عوارف المعارفالمقدمة