تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محيطة بها من شواطيء المغرب إلى شواطيء الهند، تتحسَّس مواطن الضعف في أقاليمها المتطرّفة، فانقضّوا على الضعيف والعاجزِ والغافل، وخادعوا ونافقوا، وآستغفلُوا وأرهبُوا، واستنزفُوا ونهبوا، وازدادوا شَهوةً وشَراهَةً وجُوعاً إلى الكنوز المخبوءةِ في قلب دار الإسلام، واستضعفوا وسيطروا، ولهيب في القلوب لا تطفأ نارُه. وفَجْأة، وبمعونة البحّارين المسلمين العرب، عَثَر كولمبس (1451 - 1506 م / 855 - 912 هـ) على أرض الهنود الحُمْر (أمريكا). وما هو إلاّ قليل حتى تدفَّق السيل الجارف من أوربة، يجذبه بريق الذَّهب والغنَى، وملأ المغامرون القساةُ الغِلاظ الأرضَ البِكْرَ، وزحفوا فيها واستباحوها، وسَفَحوا دماءَ الملايين سفحاً مُبِيرًا، غَدْراً وخِسَةً، لا يردَعًهم رَادع عن استئصال شأفتهم بقسوةٍ وعنْفٍ، وشَفَى كُل أوربيّ غليلاً كانَ في قلبه مُعَدًّا لدار الإسلام، واتَّجهت أساطيلهم إلى إفريقية تختطف آلافاً مؤلَّفةً من الآمنين السُّود مسلمين وغير مسلمين، رجالاً ونساءً وصغاراً، يحملونهم في السفن إلى هذه الأرض الجديدة البعيدة، أرض الهنود الحمْر، وتهلك في هذه الرحلات آلاف كثيرة منهم تحت السِّياط، وتبقى آلاف قليلة تلْقَى على البر لتكون تحت أيديهم بَهائمَ مسخَّرةً بالذّل لعمارة الأرض. وظهر الفساد في البرّ والبحر، وبلغت أوربة مبلغاً يزيدها فجوراً وشراهةً وسفكاً للدماء، وغطرسة فوق ذلك تزداد على الأيام في نشوة عارمة، نشوة السكرانِ الثَمِلِ إلى جانبها إفاقَة من سكْرٍ! وصارت أوربّة عالماً مخيفاً مرهوبَ الجانب، وتزداد كلَّ يومٍ ثقافةً وعلماً، وفهماً ويقظةً، وتجربةً وخبرةً في كلِّ خيرٍ وشرّ، وتزداد أيضاً نِفاقاً وخبثاً ومكرًا وغَدْراً بالآمنين حيث كانوا في أرجاء عالمٍ كانت تحجبُه عنهم دار الإسلام قروناً طويلة. أما دار الإسلام، فعَلى الايّام وَهَنت قوَّةً طليعتِه المسلمةِ الناشبةِ في قلب أوربّة، وصارتْ داراً محصورةً في الجنوبِ، بعدَ أنْ كانت حاصِرَةً للمسيحية في الشمال. وكذلك بدأت حضارة عتيقة تتضعضَع قُواها وترِث حبالها، وقامت في الأرض

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا · الصفحة ٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة في الطريق إلى ثقافتناص ٧١